شباب اليوم.. بحث عن المعنى

"العمى ليس فقط غياب البصر، بل هو غياب العقل، غياب الحرية، غياب المعرفة. في رواية (تاريخ العيون المطفأة)، يشرح سدير: العمى هو نظام تعليم يولّد جهلاً، وإعلام يغذي الظلام. أما البصر فهو الحرية، هو العلم، هو الشباب الذين يقودون المظاهرات السلمية بأمل عودة النور إلى واقع مظلم."
الكاتب: يعيش جيل اليوم عصر الاستهلاك والتسارع، والفجوة في اللغة واختلاف الرؤى ومعايير النجاح (مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة)

في زمن مضى، كان الطريق واضحا أمام الشباب، وكانت البوصلة بسيطة؛ دين يوجههم، وقيم تسندهم، وعادات تحميهم من الانحراف. أما اليوم، فالوضع أكثر تعقيدا؛ شباب يقفون على حافة التيه، تتجاذبهم قوة الماضي بما تحمله من أصالة، وتبتلعهم سرعة الحاضر بما فيه من صور وأصوات وضغوطات.

العالم الذي يستيقظ فيه الشاب اليوم ليس هو العالم الذي عاشه آباؤه؛ إنه عالم سريع يفرض عليك أن تركض قبل أن تتعلم المشي، وأن تستهلك قبل أن تفهم، وأن تتحدث قبل أن تدرك ما تقول.

وفي هذه السرعة تتبخر المعاني وتذوب القيم، حتى تصبح الأسئلة الأكثر إرهاقا: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ ولماذا هذا الفراغ رغم وفرة الامتلاء؟

يقول الفيلسوف نيتشه: "من لا يملك هدفا، ستقوده الرياح إلى أي مكان". وهذا ما يحدث لكثير من الشباب اليوم حين يتركون بلا بوصلة واضحة، فيتخطفهم التيار الأقوى ولو كان سرابا

لقد لخص القرآن حال الإنسان إذا فقد وجهته في قوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمـن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} (الزخرف: 36-37).

أليس هذا هو المشهد الراهن المعيش؟ ضياع يظن أنه هداية، وحياة تظن أنها حرية، بينما هي مجرد قيود بأشكال جديدة ومتنوعة؟

صراع أجيال ومعايير متغيرة

لقد عاش جيل الأمس البساطة والتضحيات، ويعيش جيل اليوم عصر الاستهلاك والتسارع، والفجوة بينهما ليست في العمر فقط، بل في اللغة واختلاف الرؤى ومعايير النجاح.

ففي الماضي كان النجاح يقاس بقدرتك على حفظ دينك وأمن عيشك، بينما أصبح اليوم يقاس بعدد المتابعين على مواقع التواصل، وإثارة الجدل، وحجم الأرقام في الحساب البنكي.

وكما يقول الفيلسوف نيتشه: "من لا يملك هدفا، ستقوده الرياح إلى أي مكان". وهذا ما يحدث لكثير من الشباب اليوم حين يتركون بلا بوصلة واضحة، فيتخطفهم التيار الأقوى ولو كان سرابا.

يقول ابن القيم: "الشباب والفراغ والمال مفسدة عظيمة". جملة تختصر خطورة المرحلة؛ فاجتماع المال والفراغ والشهوة بلا وعي ولا إيمان يفتح أبواب الضياع، لكن إذا اجتمع الشباب مع الوعي، والإيمان مع العمل الدؤوب، كان النهوض حتميا

شباب الكهف.. نموذج خالد

ورغم هذا الانحدار، فإن الأمل لم يمح ولم يفقد، وقد قدم القرآن لنا خير قصة على ذلك، وهي قصة فتية الكهف، قال تعالى: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} (الكهف: 13).

إعلان

تحكي القصة أنه في قديم الزمان كان قوم يعبدون الأصنام ويظلمون من أراد الخير، ومن بين هؤلاء برزت مجموعة من الشبان المؤمنين بالله، رفضوا ترك دينهم رغم الخوف من البطش، فهربوا من ظلم قومهم حتى وصلوا إلى كهف في الجبل، وطلبوا من الله الحماية، فآواهم الله، وأغشى عليهم بالنوم سنوات طويلة، ليكونوا آية للناس على قدرته ورحمته. وعندما استيقظوا وجدوا أن الدنيا قد تغيرت وأن الظالمين قد زالوا.

مغزى القصة أن الثبات على الحق والصبر على المحن لهما قوة عظيمة، وأن الله يعتني بمن يلجأ إليه بصدق. كما تذكرنا بأن الزمن قد يغير الظروف، لكن الصبر والإيمان هما ملاذ المؤمن في مواجهة الظلم.

إنهم فتية مثل شباب عصرنا، لكنهم اتخذوا القرار الأصعب: التمسك بالإيمان في وجه الفتن. لقد فروا بدينهم من ملك ظالم ليحفظوا أنفسهم ودينهم، فكان جزاؤهم أن خلد الله قصتهم لتبقى شاهدا على أن الشباب قادر على أن يكون منارة وسط الظلام إذا اختار الحق.

ويقول ابن القيم: "الشباب والفراغ والمال مفسدة عظيمة". جملة تختصر خطورة المرحلة؛ فاجتماع المال والفراغ والشهوة بلا وعي ولا إيمان يفتح أبواب الضياع، لكن إذا اجتمع الشباب مع الوعي، والإيمان مع العمل الدؤوب، كان النهوض حتميا.

لا ينبغي للشباب أن يخجلوا من لحظات التيه التي يعيشونها، فهي جزء من تكوين الإنسان. لكن الفارق أن الماضي كان يذكر دائما بالعودة إلى الله عند فقدان الطريق، بينما الحاضر يحاول إقناعنا بأن الطريق لا وجود له

ما يعيشه الشباب.. ضياع أم اختبار؟

هنا يطرح السؤال: هل جيل اليوم جيل ضائع فعلا، أم إنه جيل يختبر بقسوة ليصنع لمرحلة قادمة قد تكون أعظم؟
قد يكون هذا الاضطراب الذي يعيشه الشباب اليوم أشبه بعملية غربلة يميز الله بها الصالح من الطالح. وفي هذا السياق نستحضر مقولة الفيلسوف كيركغارد: "القلق هو دوار الحرية".

فضياع الشباب -ربما- ليس سوى تعبير عن بحث عميق عن معنى مفقود في وقتنا الحالي، بحث عن الحرية الحقيقية لا المزيفة التي نعيشها.

الطريق لا يزال موجودا

لا ينبغي للشباب أن يخجلوا من لحظات التيه التي يعيشونها، فهي جزء من تكوين الإنسان. لكن الفارق أن الماضي كان يذكر دائما بالعودة إلى الله عند فقدان الطريق، بينما الحاضر يحاول إقناعنا بأن الطريق لا وجود له. والحقيقة أن الطريق لا يزال هنا، لكن الوصول إليه يحتاج إلى صبر وجهاد داخلي.

قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت: 69).

ابحث عن هدايتك، وستجد نفسك، وتجد زمانك، وتجد ربك قبل كل شيء

وكتب الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: "في منتصف الشتاء، اكتشفت أن بداخلي صيفا لا يقهر". وهي مقولة تصلح أن تكون رسالة لكل شاب: أن هناك، وسط عتمة الحاضر، نورا داخليا يمكن أن يقودك إذا بحثت عنه بصدق وجد.

إن ضياع الشباب ليس أمرا محتوما، بل هو جرس إنذار وطرق قوي لأبواب الوعي الإنساني، لأجل الاستيقاظ من الغفلة. وكي نوازن بين الماضي والحاضر علينا أن نستحضر من الماضي أصالته وثباته وأخلاقه، ونأخذ من الحاضر أدواته وتقنياته وتطوره، لنصنع مستقبلا متكاملا أكثر وعيا ونورا.

والأجمل أن نذكر أنفسنا بما قاله القرآن عن أولئك الفتية: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}.

إعلان

لذا، ابحث عن هدايتك، وستجد نفسك، وتجد زمانك، وتجد ربك قبل كل شيء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان