هكذا يستخدم الكيان الصهيوني المكان لإبادة الفلسطينيين!

- بلدية غزة: سنساعد السكان على تحديد مواقع منازلهم وأراضيهم
الكاتب: منذ بدايات المشروع الصهيوني، سعى المستعمر إلى شيطنة السكان الأصليين؛ فالشيطنة تمثل أحد أعمدة خطابه السياسي (الجزيرة)

بعد استشهاد ما يزيد على 60 ألف فلسطيني، بينهم 17 ألف طفل، وتحت قصف المستشفيات والمنازل والطرق، تواجه غزة في هذه المرحلة الصعبة محاولة تطهير عرقي.

يفرض علينا هذا الواقع المرير أن نطرح دائما الأسئلة حول طبيعة هذا الكيان المحتل أرضنا، وحول تاريخ محاولاته الدؤوبة لطرد الشعب الفلسطيني من أرضه.

يسعى الكيان الصهيوني، كما تسعى جميع المشاريع السياسية، إلى هيكلة مشروعه الخاص متسلحا بأدوات متعددة، منها إنتاج المكان، بل ويمكن أن نضيف أيضا تدمير المكان لا مجرد إنتاجه.

فالمشروع الصهيوني منذ بداياته قائم على الرفض القاطع أيَّ وجود فلسطيني، محاولا طمس الهوية الفلسطينية في كل فرصة تتاح له. بل إن محاولاته تصل إلى حدّ مثير للسخرية في إصرار الصهاينة على ادعاء أن الفلافل والشاورما أكلات "إسرائيلية" أصيلة.

فهو مشروع استعمار استيطاني، وكما يذكرنا إيلان بابيه، فإن المشاريع الاستعمارية الاستيطانية التي غالبا ما تنبع من أوروبا هي مشاريع سياسية لجماعات كانت مضطهدة هناك، وبدلا من أن تسعى لتحرير ذاتها من الاستبداد، تبحث عن أراضٍ جديدة تستعمرها.

وفي هذه الأراضي الجديدة تزول العداوة بين تلك الجماعات والمضطهِد الأوروبي، لتنشأ عداوة جديدة مع السكان الأصليين، يعمل فيها المستعمِر بمنطق إبادة السكان الأصليين ليضمن بناء وطن جديد متّسق ديمغرافيا.

لقد لعبت عوامل متعددة -سياسية واقتصادية وثقافية، عربية ودولية- دورا في تحدي المشروع الصهيوني أو إعانته في مسيرته. ومن هنا، تتعدد العوامل التي يمكن الاستعانة بها لفهم هذا الكيان، لكننا سنسلط الضوء هنا على سيرورة إنتاج المكان التي يمارسها في الأراضي الفلسطينية: كيف يتعامل الكيان الصهيوني مع الجغرافيا الفلسطينية بما فيها من بشر ومدن وطبيعة لترسيخ مشروعه السياسي؟

فممارساته -من قصف المستشفيات والمدارس، إلى دفع أهل غزة قسرا نحو أماكن أخرى بذريعة أنها "آمنة"، إلى بناء المستوطنات والحواجز في الضفة الغربية- لا تسير بعشوائية، بل تتكامل جميعها لتعزيز هيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة.

تعمل المؤسسات الاجتماعية -العائلة، الجامعة، الدولة- على تشكيل رؤى الأفراد عبر أنظمتها الأخلاقية التي تحدد ما هو جائز أو محظور، وتمنح الأفراد ثوابا أو عقابا تبعا لمدى التزامهم بها

إنتاج المكان

يُعَد إنتاج المكان من الممارسات المحورية التي يمارسها الإنسان في تكوين واقعه؛ فمن خلالها تُترجَم الرغبات السياسية إلى وقائع محسوسة ترسخ الخيال في الواقع وتحافظ عليه.

إعلان

فإنتاج المكان يبدأ من الصور والتمثلات التي نكوِّنها عنه. ولهذا نرى كيف أنتج الاستعمار صورا نمطية لمدننا باعتبارها "مراكز للتخلف والخرافة"، أو كيف يُمثَّل المسجد مكانا ذا قدسية لا يُمارَس فيه اللعب أو اللهو، أو كيف تُرسم الخرائط والدراسات الديمغرافية بما تخدم رؤية سياسية ما.

إنتاج المكان لا يعمل بعشوائية، بل يخرج من رحم التفاعل بين الفرد وسياقه الاجتماعي. فمثلا: لماذا تُخصخص الشواطئ العامة لتُبنى عليها المقاهي الخاصة؟ ولماذا تُزال حديقة لبناء مركز تجاري؟ لأن هذه الأفعال تعكس رغبات فئة اجتماعية ما تُترجَم في المكان، حتى وإن كانت على حساب فئات أخرى. وهكذا تصبح المدينة حلبة صراع اجتماعي بين فئات تسعى كل منها لإنتاج مكان يخدم مصالحها.

كما أن إنتاج المكان لا يتم عبر "عدسة واحدة"، بل من خلال رؤى متداخلة ومتعارضة أحيانا. فقد يرى رجل نشأ في مجتمع ذكوري السوقَ مكانا خاصا بالرجال، بينما يراه بصفته طالب اقتصاد مساحة لعرض وطلب العمل، ما يجعله يعتبر إقصاء المرأة من السوق إهدارا لقوة إنتاجية.

هذا التناقض بين الرؤى يدفع الإنسان إلى عقلنة واقعه وبناء منطق أخلاقي يحدد ما يراه "صحيحا" أو "خاطئا" تبعا لسؤال القيم: ما الحياة الجيدة؟ وكيف نعيشها؟

وهكذا تعمل المؤسسات الاجتماعية -العائلة، الجامعة، الدولة- على تشكيل رؤى الأفراد عبر أنظمتها الأخلاقية التي تحدد ما هو جائز أو محظور، وتمنح الأفراد ثوابا أو عقابا تبعا لمدى التزامهم بها.

ومع الوقت، تتحول هذه المؤسسات إلى أنظمة متداخلة تُعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية التي تضمن استمرارها. ويسمّي بوب جيسوب هذه العملية "الحوكمة"، أي تنسيق عمل الأفراد والمؤسسات والأنظمة المختلفة في سبيل إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم.

يصف ستيفن غراهام هذا التكتيك بأنه أحد وجوه "الحداثة المظلمة" التي وُضعت لمنع الشعوب الأخرى من التحديث والنهوض

إنتاج الكيان الصهيوني للمكان

منذ بدايات المشروع الصهيوني، سعى المستعمر إلى شيطنة السكان الأصليين؛ فالشيطنة تمثل أحد أعمدة خطابه السياسي. ولذا أُلصقت تهمة "الإرهاب" بكل ممارسة فلسطينية لا تروق له، سواء كانت مسلحة أو سلمية.

فالفلسطيني في المخيال الصهيوني لا يُرى كإنسان له ثقافة مغايرة، بل ككائن "أدنى إنسانيا"، لا يعرف سوى كراهية الحضارة. وكما يذكر فرانز فانون، فالمستعمَر لا يفتقد نظاما أخلاقيا، بل يُحرَم من القدرة على تكوينه أصلا. هذه الشيطنة تُستعمَل لتبرير الإبادة الجماعية باعتبارها "حربا ضد الشر"، ومن ذا الذي يرفض الحرب على الشر؟

وفي لحظة النكبة، تجلّى هذا المنطق بوضوح؛ إذ انشغل الصهاينة بجمع أدق التفاصيل عن القرى الفلسطينية -جغرافيتها، سكانها، مواردها، وتكوينها الاجتماعي- لتسهيل تدميرها والسيطرة عليها. فكانت الخرائط أداة عسكرية فعّالة في عمليات التطهير العرقي، ووسيلة لإبادة الذاكرة الجمعية الفلسطينية عبر محو معالم القرى وإعادة تشكيلها عمرانيا.

في الضفة الغربية، يظهر هذا المنطق في أوضح صوره: مستوطنات متكاثرة، وأسلاك شائكة، وجدران فصل، وكاميرات مراقبة، وحواجز تقطع أوصال الحياة اليومية.

إعلان

هذه ليست عشوائية، بل أدوات لضبط الجغرافيا الفلسطينية وخنقها، كما يشرح أحمد عز الدين أسعد، بهدف تعطيل التعليم والصحة والحركة، وتحويل حياة الفلسطينيين إلى سلسلة عقوبات جماعية ممنهجة. ويصف ستيفن غراهام هذا التكتيك بأنه أحد وجوه "الحداثة المظلمة" التي وُضعت لمنع الشعوب الأخرى من التحديث والنهوض.

يثبت الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود والمقاومة، فيما تتعالى الأصوات العالمية الداعمة لغزة، إذ بادرت دول مثل كولومبيا إلى قطع العلاقات التجارية والعسكرية مع الكيان

تُظهِر محاولة الكيان الصهيوني إبادةَ شعب غزة أبشعَ وجوه المشروع الصهيوني، في تكرار مروّع لسيناريوهات النكبة.

فالصهاينة لا يتعاملون مع المقاومة الفلسطينية كحركة سياسية، بل كـ"قوى ظلامية"، تبرر تدمير كل مقومات الحياة من مستشفيات وكهرباء وغذاء ودواء. وبهذا يسعى الكيان إلى ما يسميه غراهام "إبادة المدينة" (urbicide)، أي قتل العمران واغتيال الفضاء الإنساني ذاته.

ومع ذلك، يثبت الشعب الفلسطيني قدرته على الصمود والمقاومة، فيما تتعالى الأصوات العالمية الداعمة لغزة، إذ بادرت دول مثل كولومبيا إلى قطع العلاقات التجارية والعسكرية مع الكيان، وتبعتها إسبانيا بخطوات ضد استيراد بضائع المستوطنات ومنع السفن العسكرية الإسرائيلية من الرسو في موانئها.

وبذلك يُوضَع الكيان الصهيوني في سياق مشابه لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في لحظاته الأخيرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان