هذه قصتي أنا، أكتب نيابة عن نفسي وعن شعب كامل يعيش الخوف والجوع، والموت بأعنف صوره.
هذه المرة الثالثة التي أنزح فيها من بيتي إلى المجهول.. ربما يعتبرني البعض محظوظة؛ فأنا أعرف أن غيري نزح عشرات المرات، ويعيش حلقة مفرغة من النزوح المستمر والتشريد. لم أدرك يوما كيف يشتاق المرء لمكان يألفه حتى شعرت بحاجة ملحة للمشي حافية على بلاط غرفتي ولم أستطع؛ لأنني عندما فتحت عيني على الواقع وجدت نفسي جالسة بجوار عدد كبير من الحقائب، نحمل فيها- أنا وعائلتي- حياتنا كلها، تاركين البيت والحي بأكمله خلفنا، بعد أن تحول إلى ركام لا حياة فيه.
بنينا مدينة كنا نفخر بها، وما زلنا.. لكن مدة سنتين من الحرب كانت كفيلة بأن تمسح كل ما بنيناه من الوجود، أن تعيدنا إلى نقطة الصفر
غريبة أنا في مدينتي، ولم أعد أستطيع التعرف على شوارعها ولا على الناس فيها؛ كل شيء شاحب ومكسو بالرماد! الخوف غيّر ملامح البشر هنا، والقصف حوّل المدينة التي كانت تضج بالحياة إلى مقبرة، ندفن فيها شهداءنا وأحلامنا التي سُرقت منا في غمضة عين.
التناقض بين الماضي والحاضر في غزة مخيف، يشبه التناقض بين قوس قزح والرماد الذي تخلفه النيران بعدها! هنا مدينة الشباب الطموح والإنجازات العظيمة، كنا نسعى لبناء غزة بكل ما فينا من طاقة وحب للحياة، حتى باتت تشبهنا بكل ما فيها: بيوتها الدافئة، شوارعها الخضراء، وبحرها الأزرق الذي كان متنفسنا الوحيد خارج حدود السجن الذي فُرض علينا.. ومع ذلك وصل نجاحنا عنان السماء وكسر حدود هذا السجن.
بنينا مدينة كنا نفخر بها، وما زلنا.. لكن مدة سنتين من الحرب كانت كفيلة بأن تمسح كل ما بنيناه من الوجود، أن تعيدنا إلى نقطة الصفر، استنزفت كل طاقاتنا في محاولة النجاة، علّنا نستطيع يوما ما أن نعيد قدرتنا على ملاحقة الأحلام.
خلال الشهرين الماضيين، نزحت إلى ثلاثة أماكن بحثا عن الأمان، ولا مكان منها يشبه بيتي أو يشبهني. لم يخطر لي حتى في أسوأ كوابيسي أن أضطر أنا وعائلتي للمبيت في أربعة أماكن مختلفة رغما عنا، وهي أقسى تجربة أعيشها في عمري الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين.. أن أغفو في غرفة ليس فيها رائحة أمي، أن يمضي يوم دون أن أسمع دعوات أبي لي، أو أن أفقد متعة الحديث والضحك مع أخي ولو حتى لدقائق.
أتساءل أحيانا: ما الذي زرعناه لنحصد كل هذا الدمار؟ وهل هذه الحرب هي كل ما تبقى لنا من الحياة؟ أنعدّ الأيام لنصل إلى نهاية الحرب أم لنصل إلى نهايتنا؟
أواجه الهواجس التي تغزو عقلي، وأخشى في كل دقيقة تمر، ومع كل صوت انفجار، أن يكون قد أصابهم مكروه وأنا بعيدة عنهم. أُصاب بالجنون للحظات قبل أن أتماسك من جديد، وأدعو الله بكل ما فيّ من إيمان أن يحفظهم بعينه التي لا تنام، وأن تنتهي هذه الحرب التي أبادت أرواحنا حتى ولو نجت الأجساد.
أتساءل أحيانا: ما الذي زرعناه لنحصد كل هذا الدمار؟ وهل هذه الحرب هي كل ما تبقى لنا من الحياة؟ أنعدّ الأيام لنصل إلى نهاية الحرب أم لنصل إلى نهايتنا؟ ما زال لدي الكثير من الأحلام المؤجلة، لا يرحمني الأمل ولا يفارقني، لا أعرف لليأس طريقا!
الوقود الذي أعيش عليه هو يقيني بقدرتي على رسم واقع يشبهني، ولا يشبه كل هذا الموت الذي يحيط بي. ما زلت طالبة الهندسة التي لا تمل من التعلم وتطوير نفسها، ولم تغير الحرب ذلك! أعاند كل الظروف مع انقطاع الإنترنت والكهرباء، أحمل حقيبة اللابتوب وأتعرض للخطر بحثا عن أي مكان يمكنني فيه أن أواصل رحلتي في التعلم والعمل، أن أواصل الحياة التي أحبها، حتى وإن كانت أقسى مما أرجو. كل يوم أستسلم لعشرين دقيقة، ثم في الحادية والعشرين أقرر المواصلة! النجاة طقس وشعيرة وممارسة وتوفيق من الله.
ما زال لدي حلم يجعلني أرغب بالاستيقاظ كل يوم لتحقيقه، للوصول إلى حياة كريمة وناجحة تشبهني، وتشبه كل الحب الذي أحمله في قلبي. أعرف أن كل شيء سيمضي، وأنتَ عليك فقط أن تصمد لبعض الوقت، أن تقاتل من أجل الوقوف مهما اهتزت الأرض من تحت أقدامك.. لا تجعل اليأس يصل إليك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
