لهذا يهون الفقد!

سكان غزة نزحوا عشرات المرات هربا من القصف والمعارك (رويترز)

تطوف بي خواطر وتأملات، تأخذني إلى هناك، فأجدني أمضي معهم على طريق العودة.. العودة إلى الحي والذكريات، إلى حجارة بيت تهدم، إلى بقايا مدرسة قصفها الاحتلال، إلى أطلال مسجد كان يعمر بالمصلين.. هي العودة إلى جذور بقيت راسخة، تصارع كيد الكائدين ثم يضل ولا تضل.

العودة إلى تلك المدن والبلدات كأنما هي الحياة تُبعث من جديد، إذ تسري في الجسد روحه، ويعود إلى القلب نبضه. ولكن، ما تكاد مشاعر الغبطة تتسلل وتأخذ مكانها حتى تنتبه إلى حقائق مؤلمة ومشاهد صادمة

إخالهم يعُدون خطى قطعوها، ويتعجلون أخرى تفصلهم عن غزة أو بلدات أخرى في الشمال، وبين خطوة وأخرى تأتي التفاتة إلى معالم الطريق، كأنها تذكير منهم لها بما قطعوه على أنفسهم في رحلة الذهاب إذ نزخوا عن الديار، أنهم بإذن الله عائدون، وكانت تلك المعالم حينها شاهدة على الوعد والعهد… أما وإن الله قد أذن، وها هم في طريق الإياب، فحقيق بها الآن أن تكون شاهدة على أنهم صدقوا الوعد، وأوفوا بالعهد.

يتناوب تلك الأنفس مزيج من المشاعر، وبها تتدافع بسمة ودمعة، ويتجاور ألم وأمل، ومن عمق الجراح تشرق براعم الفرح… العودة إلى تلك المدن والبلدات كأنما هي الحياة تُبعث من جديد، إذ تسري في الجسد روحه، ويعود إلى القلب نبضه. ولكن، ما تكاد مشاعر الغبطة تتسلل وتأخذ مكانها حتى تنتبه إلى حقائق مؤلمة ومشاهد صادمة؛ فحجم الفقد كبير، واحتماله ثقيل وصعب!

كم من الأحباب كانوا بالأمس بينهم، وقد غادرتهم اليوم وجوههم، وتوارت أحاديثهم في الغياب… ستفتقدهم جلسات الأهلين والصحب، وتذكر الأماكن إشراقة محياهم التي ألفتها في أيام خلت، ثم تصحو على ألم يصرخ: ذلك عهد قد مضى.

أين الديار التي كانت تضج بالحياة؟ صارت ركاما وخرابا وأطلالا حزينة! بل حتى الأطلال، التي كانت تنتظر عودتهم لتدلهم على باحة الدار ومجلس الجد وأرجوحة الأولاد، ألحقها الغاصبون قصفا بعد قصف، ونسفا يكشف بعض ما تكتنزه صدورهم من ضغائن وأحقاد.

إعلان

ويتطلع أهل الديار خلف الدمار فلا يجدون إلا دمارا؛ فالأحياء والمدن سُوّيت بالأرض وصارت ركاما من الحجارة! وأما الذين يمشون فوق الركام الآن فأناس كان لهم هنا سكن ومأوى، وقد صارت أجسادهم نحيلة، أنهكها الجوع، وأرهقها المرض، وأضناها تجرع الخذلان.

جراح غزة ستلتئم، وآلامها ستُنسى! شهداؤها سيبقون بسيرتهم الطيبة أحياء بين الناس، كما هم أحياء عند ربهم يرزقون

تساير النفس تأملاتها المرة حتى إذا بلغت مشاعر الأسى مداها تنبهت وتيقظت، ووعت وارتقت؛ فهذه الصور التي تثيرها الخواطر ما هي إلا بعض الحقيقة، وليس من الإنصاف إلا أن يُرى المشهد كاملا. فقد فُرض على غزة أن تختار، وأحيانا يكون للخيار الصائب تكلفة عالية، ولكن حسبه أن يكون صوابا، إذ إن البديل وبال وخسران، حتى وإن صوّرته الأوهام خلاف ذلك.

ألا وإنه من باع نفسه لله فلا ينبغي له إلا أن يسير على هدى من الله؛ فيجعل شرعه نصب عينيه، ويتيقن حقيقة ومقتضى قوله تعالى: {إنَّ اللَّه اشترى من المؤمنین أنفسهم وأمو الهم بأنَّ لهم الجنَّة} [سورة التوبة: 111].

فإذا كان المنتظر هو الجنة فكل بذل يهون، وكلّ فقد يُحتمل؛ وعلى هذا النهج سار أهل غزة، فأبوا حياة الذل والمهانة، ورفضوا ظلم الطغاة وجابهوا عدوانهم، وانتفضوا من أجل أن يحيوا كراما.

في غزة، كانت كل نفس أبية كأنها تردد مع الشاعر عبدالرحيم محمود قوله:

سأحمل روحي على راحتي   وأُلقي بها في مهاوي الردى

فـإمـا حيــاة تسـر الصــديـق   وإمـا ممــات يغيــظ العـدى

وإن الموت الذي غيَّب الأحباب ما هو في حقيقة وعي المؤمن إلا كفراق مسافر، وكلنا في هذه الدنيا ذاك المسافر، وإنا عنها راحلون إلى الله، وفي جنة الله يكون الملتقى الحقيقي لأهل الإيمان، وهم هناك {خالدین فیها حسُنت مستقَرّا ومُقاما} [سورة الفرقان: 76].

وعندما يكون للموت في سبيل الله هذا الفهم، فإن الأنفس التي ذاقت ألم الفقد ثم وقفت أمام هذه المعاني ستجد من العزاء الذي يشفيها شيئا كثيرا.

عند هذا تهون مصيبة الموت، وبعد هذا يهون كل ما دونها من مصائب، ثم تنجلي صورة الآتي مشرقة بهية!

جراح غزة ستلتئم، وآلامها ستُنسى! شهداؤها سيبقون بسيرتهم الطيبة أحياء بين الناس، كما هم أحياء عند ربهم يرزقون.

ما أحدثه المحتلون من خراب سيعيده أبناء الأرض عمرانا.

سيبقى لغزة عزها، ويبقى لها مجدها، ويبقى لها ولأهلها أجر الجهاد والرباط… ويبقى لمن خذلها أن يتجرَّع كأس الخزي والعار، ولا يبقى لأعدائها إلا أن يموتوا بغيظهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان