مأزق الحرية في العالم العربي: بين الأغلبية والهوية والأمن!

صندوق الاقتراع مؤمن بأربعة أقفال لمنع أي عملية تزوير/ مدرسة نهج الهند الابتدائية/العاصمة تونس/سبتمبر/أيلول 2019
الكاتب: إن الأغلبية في صورتها الزائفة ليست دليلا على الحق، بل أداة لشرعنة الاستبداد (الجزيرة)

لا تزال مجتمعاتنا العربية تعيش داخل دائرة مغلقة تحاصر الحرية، وتختزل الإنسان في جماعات وأنماط وتسميات تفرغ الفرد من ذاته، وتبقيه سجين قوالب جاهزة؛ فمرة يقتل باسم الأغلبية، ومرة يخنق باسم الهوية، ومرة يمحى وعيه باسم الأمن.. والنتيجة واحدة: إنسان بلا صوت، وبلا عقل، وبلا حرية.

فالديمقراطية في العالم العربي أُسِست كشعار أجوف يختزل في صناديق انتخابية تدار من فوق، في حين تتحول "الأغلبية" إلى قناع للسلطة، و"الرعية" إلى قطيع لا يعرف إلا التصفيق أو الصمت! وهكذا يولد الإنسان العربي بلا ذات، مجرد رقم في قافلة تساق نحو المجهول.

الأمن يستبدل بمفهومه الطبيعي -كحماية الإنسان من الفقر والظلم والمرض- بمفهوم زائف: حماية السلطة من أسئلة المجتمع والطبقات المتنورة؛ فيصبح الأمن مرادفا للصمت

إن الأغلبية في صورتها الزائفة ليست دليلا على الحق، بل أداة لشرعنة الاستبداد؛ فما قيمة التصويت إن لم يسبقه وعي فردي حر؟ وما جدوى الكثرة إذا كان الفرد فيها غائبا؟

والعقل العربي يقتل باسم الهوية، والهوية هنا تسلب من الإنسان حقه في التفكير، إذ يختزل في انتماء ضيق (طائفة، مذهب، قبيلة، حزب)، ويسأل دائما: إلى أي معسكر تنتمي؟ لا: بماذا تفكر؟ وما منهج تفكيرك؟

فتنقلب الهوية من جذر يغذي الذات إلى قيد يخنقها. وحين يصبح الولاء بديلا عن العقل، تتحول المجتمعات إلى جزر معزولة تكرر الماضي ولا تجرؤ على تخيل المستقبل. إن الهوية حين تقدَس فوق الإنسان تقتل جوهره: عقله الحر وقدرته على الخلق والإبداع.

أما الأمن فيستبدل بمفهومه الطبيعي -كحماية الإنسان من الفقر والظلم والمرض- بمفهوم زائف: حماية السلطة من أسئلة المجتمع والطبقات المتنورة؛ فيصبح الأمن مرادفا للصمت، والاستقرار غطاء للقمع، والخوف فضيلة وطنية. وهكذا يموت الوعي في سجن من الطمأنينة المصطنعة، ويدفن الفرد في قبر مفتوح اسمه "الأمن"!

إعلان

فأي أمن هذا الذي يكمم الأفواه؟ وأي استقرار ذاك الذي يبنى على ركام العقول؟

التحرر ليس معركة في الساحات المزدحمة، بل رحلة داخل وعي الفرد.. هناك يولد الخلاص: في العلم والفلسفة والآداب والفنون، في قدرة الإنسان على السؤال والبحث العلمي والمعرفي والنقد البناء

يتوارى الإنسان العربي، وتمحى فرديته، وتصادر أسئلته، ويختزل كيانه في دور المطيع الذي لا ينتقد ولا يبدي رأيا مهما كان. وهكذا نصبح نحن أنفسنا من يعيد إنتاج الاستبداد بأيدينا، ونحن نظن أننا نصنع الديمقراطية.. نرفع شعارات لم نكتبها، ونعيش حياة لم نخترها، ونقول في النهاية إننا أحرار! لكن، أي حرية هذه؟

إن الطريق إلى النهضة والرقي يبدأ من الفرد لا من الشعارات.. يبدأ من شجاعة التخلي عن عقلية القطيع، ومن كسر طوق الهوية الضيقة، ومن التحرر من وهم الأمن المصنوع؛ فالأغلبية لا تبنى إلا على وعي الأفراد، والهوية لا تكتمل إلا بالعقل الحر، والأمن لا يتحقق إلا بالكرامة والعدالة.

التحرر ليس معركة في الساحات المزدحمة، بل رحلة داخل وعي الفرد.. هناك يولد الخلاص: في العلم والفلسفة والآداب والفنون، في قدرة الإنسان على السؤال والبحث العلمي والمعرفي والنقد البناء.

وعندها فقط نولد من جديد: لا رعيةَ.. لا قطيعَ.. لا هويات قاتلة.. لا أمنَ زائفا.. بل إنسانا عربيا حرا، يعرف أن الكثرة ليست دليلا على الحق، وأن العقل لا وطن له، وأن الحرية ليست تهديدا، بل هي الضمانة الوحيدة للكرامة والمعنى.

هل نريد فعلا أن نكون أحرارا؟ وهل نحن مستعدون لدفع ثمن هذه الحرية؟

إن التحرر الحقيقي ليس معركة ضد الآخر، بل صراعا مع الذات؛ فالاستبداد ليس مجرد كيان خارجي، بل هو انعكاس للخوف والألم الكامن في دواخلنا.

نحن لا نجبر على العبودية بقدر ما نختارها كملجأ من عبء الحرية وثقل المسؤولية. ولذلك لا يمكن أن تتحقق الحضارة المادية والمعنوية بمجرد تغيير الوجوه أو الأنظمة، بل تبدأ من لحظة المواجهة الشجاعة مع النفس: لحظة أن نسأل أنفسنا: هل نريد فعلا أن نكون أحرارا؟ وهل نحن مستعدون لدفع ثمن هذه الحرية؟

هناك، في أعماق هذا السؤال، يولد الإنسان العربي من جديد؛ لا كمواطن يتبع، بل كفرد يكتشف، ويقرر، ويخلق وجوده بكل حرية وبكل مسؤولية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان