العمل الذي لا نحبه.. لماذا لا نغادره؟

دراسة: الموظفين ممن تلقوا دعما نفسيا مؤسسيا استطاعوا تجاوز ضغوط العمل والحفاظ على إنتاجيتهم
الكاتب: ليس من السهل أن نغادر شيئا اعتدنا عليه، حتى وإن لم نعد نحبه؛ فالعقل البشري مبرمج منذ القدم على تجنب الخطر أكثر من السعي وراء المتعة (شترستوك)

في كل صباح نستيقظ لنرى في المرآة ما يشبهنا، لكننا نمضي إلى عمل لا يشبهنا!

لا نكرهه تماما، لكنه لا يثير فينا شيئا.. ننجز مهام روتينية، نبتسم كما يجب، وننتظر نهاية الدوام كما ننتظر الخروج من غرفة مزدحمة بلا نوافذ! لماذا لا نغادر؟ لماذا نستمر في البقاء داخل روتين لا يحركنا، ولا يضيف إلى ذواتنا إلا مزيدا من الخمول؟ لماذا نفعل كل هذا؟

بعضنا يسميه "مسؤولية"، والبعض الآخر يعتبره "واقعا لا مهرب منه". لكن علم النفس يسميه "منطقة الراحة"… تلك المساحة الآمنة التي نعرف حدودها، حتى وإن كانت خانقة. في هذه المنطقة، لا نتعرض للمفاجآت، ولا نجازف، لكننا أيضا لا ننمو ولا نتطور.

هذه التدوينة ليست دعوة للتمرد، ولا وصفة سحرية للنجاة، بل محاولة للفهم: لماذا نستمر في فعل ما لا نحبه؟ وما الذي يجعلنا نرضى بالاستقرار حين تكون كلفته المعنى؟

وفقا لهرم ماسلو، لا يستطيع الإنسان الوصول إلى تحقيق ذاته إذا لم يُشبع احتياجاته الأساسية أولا؛ ولهذا نضحي كثيرا بأحلامنا وشغفنا من أجل الأمن والاستقرار والبقاء

الأسباب النفسية

ليس من السهل أن نغادر شيئا اعتدنا عليه، حتى وإن لم نعد نحبه؛ فالعقل البشري مبرمج منذ القدم على تجنب الخطر أكثر من السعي وراء المتعة.. نفضل البقاء في مساحة مألوفة على أن نخوض تجربة مجهولة.

يسمي علماء النفس هذه المساحة بـ"منطقة الراحة"، وهي ليست دائما مريحة فعلا، لكنها على الأقل مفهومة؛ لا مفاجآت فيها ولا مغامرات.

وحين يبدأ داخلنا بالصراخ مطالبا بالتغيير، لا نصمت فقط، بل نقوم بتهدئته عبر تبريرات نقنع بها أنفسنا: "ليست الوظيفة سيئة لهذه الدرجة"، أو "المهم أن هناك راتبا شهريا"، أو "كل الناس متعبة، ما الجديد؟".

هذه التبريرات ليست دائما حقيقية، بل هي وسيلة دفاع نفسي يعرفها علماء النفس بـ"التنافر المعرفي": التوتر الذي نشعر به عندما نعيش واقعا يتناقض مع ما نؤمن به، ولأننا لا نملك الجرأة لتغييره نعيد تفسيره داخليا، لنبدو متسقين مع أنفسنا.

إعلان

وفقا لهرم ماسلو، لا يستطيع الإنسان الوصول إلى تحقيق ذاته إذا لم يُشبع احتياجاته الأساسية أولا؛ ولهذا نضحي كثيرا بأحلامنا وشغفنا من أجل الأمن والاستقرار والبقاء.

لكن، ماذا لو استمررنا طويلا عند قاعدة الهرم؟ ماذا لو لم نصعد أبدا؟

بيروقراطيات صارمة، أدوار محددة سلفا، توقعات ثابتة.. قد يتم الدخول إليها طوعا، لكن المغادرة ليست سهلة؛ لأن من يتمرد على القفص يُنظر إليه باعتباره متمردا على "النظام"، حتى وإن كان باحثا عن ذاته

الأسباب الاجتماعية

لا نعيش داخل أنفسنا فقط، بل في مجتمع يراقبنا ويقيمنا ويضع لنا مقاييس النجاح والفشل. لذلك فإن مغادرة عمل مستقر، حتى وإن كان مرهقا نفسيا، قد تبدو في نظر الآخرين نوعا من الطيش أو قلة تقدير للنعم.

في مجتمعاتنا العربية، الوظيفة ليست مجرد وسيلة للعيش، بل هي تعريف اجتماعي كامل.. من أنت؟ ماذا تعمل؟ ما دخلك؟ هذه الأسئلة تحدد قيمتك أكثر مما تحددها قناعتك أو سعادتك.

"العالم الاجتماعي"، كما وصفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، يشبه "قفصا حديديا"!

بيروقراطيات صارمة، أدوار محددة سلفا، توقعات ثابتة.. قد يتم الدخول إليها طوعا، لكن المغادرة ليست سهلة؛ لأن من يتمرد على القفص يُنظر إليه باعتباره متمردا على "النظام"، حتى وإن كان باحثا عن ذاته.

أما الفرنسي إميل دوركايم، فكان يعتقد أن المجتمعات الحديثة تخلق ما يُعرف بـ"الأنومي" (حالة اغتراب يشعر فيها الفرد بانفصال بين حياته الخاصة والقيم العامة). فأنت تنجز، لكنك لا تعرف لمن، ولا لماذا.. وأنت تعمل، لكنك لا ترى نفسك فيما تصنعه.

في النهاية، كثير منا لا يبقى في عمله لأنه يحبه، بل لأنه يخشى كسر الصورة التي بناها الآخرون عنه؛ يخشى أن يبدو ضعيفا أو فاشلا، أو كمن لا يعرف ما يريد.

لسنا دائما أحرارا كما نظن، ولا مجبرين كما نقنع أنفسنا! نحن فقط نحاول النجاة، كلٌ بطريقته. البعض يختار الصبر، والبعض يختار الرحيل، وآخرون يعيشون بين الاثنين.. بلا قرار

المقارنة مع الدول المتقدمة

لا يخشى الناس في الدول المتقدمة تغيير وظائفهم كما نفعل نحن.

هناك، قد يقرر أحدهم مغادرة عمله فجأة لأنه لم يعد يرضيه، أو لأنه يبحث عن معنى.. لا أحد يلومه كثيرا، لأن المنظومة الاقتصادية والاجتماعية تدعمه في هذا القرار.

في كثير من تلك الدول، توجد سياسات تعرف بـ"المرونة الآمنة" (Flexicurity)، مثل النموذج الدانماركي الذي يسهل فصل العامل من جهة، لكنه يضمن له من جهة أخرى حماية اجتماعية قوية، وتدريبا، وفرص عمل جديدة؛ أي إن الخروج من العمل لا يعني السقوط في الفراغ.

كذلك تقدم دول مثل ألمانيا، وهولندا، والسويد برامج دعم بطالة فعالة، وتحرص على توفير سوق عمل مرن يسمح بالتنقل بين الوظائف دون عبء كبير.

أما في دولنا، فغالبا ما تكون الوظيفة فرصة نادرة لا تُعوض، نتمسك بها لا لأننا نحبها، بل لأننا نخاف ألا نجد غيرها.

قد يبدو ذلك فرقا بسيطا، لكنه في الحقيقة يفصل بين ثقافة "التجريب" وثقافة "التقييد".. بين من يرى العمل طريقا لتحقيق الذات، ومن يراه حبل نجاة لا يُفلَت.

لسنا دائما أحرارا كما نظن، ولا مجبرين كما نقنع أنفسنا! نحن فقط نحاول النجاة، كلٌ بطريقته. البعض يختار الصبر، والبعض يختار الرحيل، وآخرون يعيشون بين الاثنين.. بلا قرار.

إعلان

أن تبقى في عمل لا تحبه ليس بالضرورة ضعفا، لكنه قد يكون انعكاسا لإرهاقك من البحث المستمر، أو خوفا من البدائل المجهولة.. من إعادة البدء، ومن مواجهة مجتمع لا يرحم السقوط، مجتمعٍ قاسٍ تجاه من يتعثر أو يسقط.

لكن، ربما لا نحتاج قرارات ثورية دائما؛ ربما نحتاج فقط أن نعترف لأنفسنا بما نشعر به فعلا، دون تجميل.. أن نسأل، ولو مرة بصوت خافت: أهذا ما أريده فعلا، أم هو فقط ما تعلمتُ الرضا به؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان