الحياة قبل الإبادة وبعدها

المصدر: حساب لمركز الفلسطيني للإعلام على تليغرام @PalinfoAr المتحدث باسم بلدية غزة: لا يمكن البدء في عملية إعادة الإعمار وإزالة الركام دون فتح الشوارع الرئيسية في مدينة غزة. هناك 50 مليون طن من الركام جراء الحرب "الإسرائيلية".
الكاتبة: لقد انتزعت منا حرب الإبادة على غزة جزءا من الطمأنينة لن يعود أبدا (المركز الفلسطيني للإعلام)

يعيش إخواننا في غزة واقعا مريرا بين القتل والتجويع ومرارة الفقد والنزوح وشدة الخذلان وجبروت الظلم، ونعيش معهم -وإن لم يكن في الأمر مجال للمقارنة- مشاعرَ قاسية يطغى عليها العجز والخيبة والألم.. قد يتساءل متسائل: كيف ذلك؟ دعني أخبرك.

الحياة قبل حرب الإبادة على غزة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها، ونحن نشعر بواجب القيام بشيء ما نصرة للحق، وإن كان الأمر لا يتجاوز ترك تعليق يُكذب رواية المحتل على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أو صناعة محتوى يفضح جرائمه

الحياة قبل حرب الإبادة على غزة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها اليوم، ونحن نتابع أخبارها بقلوب لا ترجو إلا أن تتلقف بصيص أمل بين العناوين، وكأن رجاءنا الوحيد قد تلخص في أن نمضي يوما لا يلاحقنا فيه تأنيب الضمير لأننا وجدنا ما نأكله حول مائدة يجتمع عليها كل أفراد العائلة، أو روينا عطشنا بماء غير ملوث دون أدنى مشقة، أو تجولنا في الشارع دون أن نذعر لسماع دوي انفجار في مكان قريب، أو استمتعنا بكوب قهوة في الهواء الطلق دون أن يحجب عنا زرقة السماء دخان يوحي بالموت، أو فرحنا لحدث دون أن يقيد إحساسنا ذاك خبرُ استشهاد عزيز.

الحياة قبل حرب الإبادة على غزة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها، ونحن نشعر بواجب القيام بشيء ما نصرة للحق، وإن كان الأمر لا يتجاوز ترك تعليق يُكذب رواية المحتل على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أو صناعة محتوى يفضح جرائمه، أو المشاركة في وقفة مناهضة لما يجري هناك، أو التبرع بقدر يسير يسد حاجة صغيرة لمن يعيشون في قلب هذه المحنة.

ومع ذلك، كثيرا ما يتسلل إلينا الشك في جدوى ما نفعل، حين نقارنه بحجم المأساة التي يعيشها من هم تحت النار والركام؛ فنحن نساجل بالكلمة، بينما هم يساجلون بالموت والحياة، ونحمل عبء الموقف، فيما هم يحملون عبء النجاة نفسها.

إعلان

الحياة قبل حرب الإبادة على غزة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها، ونحن نحمل في أعماقنا شعورا دائما بأن العالم لم يعد كما كان، أو ربما نحن من فقدنا براءتنا في تصديقه؛ فلا المواثيق الدولية قادرة على حماية الأبرياء -لأنها في النهاية بيد من صنعوا المصالح والحدود والاتفاقيات- ولا التحذيرات والمناشدات تردع جبروت الطاغية، ولا الكلمات -مهما صرخت- توقف قذائف الموت، أو تعيد من فقدوا حياتهم وبيوتهم.

لقد انتزعت منا حرب الإبادة على غزة جزءا من الطمأنينة لن يعود أبدا؛ صرنا نحمل في أعماقنا قلقا دائما، وإحساسا بالغربة في هذا العالم الذي يصمت أمام الجريمة

الحياة قبل حرب الإبادة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها، لأن الأقنعة سقطت، أو -بالأحرى- أُسقطت من طرف أصحاب الأرض والحق؛ فظهر عباد المال وأصحاب المصالح من العامة، الذين كانوا يتشدقون في الماضي بمبادئ الإنسانية، والمستعدون اليوم لبيع أنفسهم مقابل قروش بسيطة، وكُشف مزدوجو المعايير ذوو الوجوه المتعددة، الذين يُتقنون فن الخطاب في المنابر، بينما في الخفاء يباركون الظلم ويصمتون عن الحق.

الحياة قبل حرب الإبادة لا تشبه الحياة التي صرنا نعيشها، فحتى نظرتنا إلى العالم تغيرت.. الغرب، الذي كنا نُعلي من شأنه رغم مكره المعتاد، لا يزال يرانا مجرد مستعمرات تُستنزف، وأسواق تُستهلك، وميادين لتصريف أزماته. رفعوا شعارات الحرية والعدالة والمساواة، لكنهم استثنونا منها، وأداروا ظهورهم لكل ما يمت إلى قيم الإنسانية بصلة حين تعلق الأمر بنا.

لقد انتزعت منا حرب الإبادة على غزة جزءا من الطمأنينة لن يعود أبدا؛ صرنا نحمل في أعماقنا قلقا دائما، وإحساسا بالغربة في هذا العالم الذي يصمت أمام الجريمة.

صحيح أننا نخجل من أن نقارن معاناتنا بمعاناة من هم تحت النار، لكننا نتقاسم معهم جرحا واحدا، ووجدانا مثقوبا، وأملا في الله وحده لا يخيب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان