هل الجنة تستحق العناء؟!

blogs-الجنة
الكاتب: إن الدنيا دار الغرور، تغرّ الإنسان وتُوهمه أن نعيمها ليس بعده نعيم، وأن لذتها هي غاية اللذات (مواقع التواصل)

في حوار مطوّل دام أكثر من ساعتين بيني وبين رجل غربي، كان هدفه أن يتعرف على الإسلام ويسأل عما يستشكله، التفت إليّ وباغتني بالسؤال الآتي: "ماذا يوجد في الجنة مما لا يوجد في حياتنا؟"

كان سؤاله مباغتا من ذلك النوع من الأسئلة التي -لشدة وضوحها- لا تعرف بماذا تجيب! إذ إن الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة مما لا يخفى على عاقل. لذلك قلتُ في نفسي: لعله يريد أمرا أعمق مما تدل عليه سطحية السؤال، فالتفتُ إليه قائلا: "ما الذي تعنيه بسؤالك هذا؟"

فقال لي: "الذي أعنيه أن الجنة التي تعدون المؤمنين بها، ما الذي ستقدمه لي مما لا أملكه الآن في حياتي؟ فإنني شاب في صحة جيدة، وعندي المال والنساء والمنزل الحسن والمظهر الجميل، فما الذي يجعلني أسلم وأحرص على دخول الجنة؟"

الحقيقة أن هذا السؤال يكشف عن جهل عريض بحقيقة الجنة وما فيها من نعيم وملذات، ويدل على طغيان الحياة المادية على الإنسان الغربي. ذلك الاستغناء الظاهري المؤقت هو الذي يجعل الإنسان طاغية، كما قال سبحانه: {كلا إِن الْإِنسان ليطْغى أن رآهُ اسْتغْنى}

لو لم يكن في الآخرة من نعيم إلا الأبدية والخلود والدوام المطلق، لكفى ذلك فضيلة ومحفزا للإنسان ليُقبل على عبادة الله، تعالى، وحده لا شريك له، والتي يترتب عليها دخول الجنة

يظن الإنسان المسكين أنه قد استغنى عن الله، تعالى، وعبادته وجنته الأبدية، بسبب بعض النعم المؤقتة التي أُنعِم بها عليه. حقا، إن الدنيا دار الغرور، تغر الإنسان وتُوهمه أن نعيمها ليس بعده نعيم، وأن لذتها هي غاية اللذات، فيتناسى ما يراه كل يوم من منغصات لهذا النعيم.

وهل يوجد منغصٌ لنعيم الدنيا أعظم من أن يتذكر الإنسان -ولو لدقيقة- أن كل ما يملكه من مال ودنيا زائلٌ لا محالة، وأنه يرى ضحايا الدنيا كل يوم في أحبابه وأقاربه؟

زوال النعيم الذي بيد الإنسان أمرٌ مقطوعٌ به لا ريب فيه، فكيف بعد ذلك يُقال: ماذا ستضيف لنا جنة الآخرة؟ لو لم يكن في الآخرة من نعيم إلا الأبدية والخلود والدوام المطلق، لكفى ذلك فضيلة ومحفزا للإنسان ليُقبل على عبادة الله، تعالى، وحده لا شريك له، والتي يترتب عليها دخول الجنة.

إعلان

هذا السؤال لا يمكن أن يصدر من إنسان عاش طويلا في الدنيا وعرف حقارتها ودناءتها وغرورها وتقلباتها وآلامها.

كما قال الشاعر:

ومن صاحب الليالي علمتْهُ .. خداع الأُلفِ والقيل المحالا
وغيرتِ الخطوبُ عليه حتى .. تُريه الذر يحمِلن الجبالا

ولذلك رأينا كثيرا من أصحاب الملايين -ممن حازوا كل ملذات الحياة المادية- يُقدِمون على الانتحار بعد أن عرفوا حقيقة الدنيا، واكتشفوا أنها لم تُعطهم ما كانوا يبحثون عنه: السعادة الحقيقية الدائمة.

إن نظرة واحدة إلى آيات الجنة في القرآن الكريم والسنة النبوية كفيلةٌ بأن تجعل الإنسان يسترخص روحه في سبيلها، ويبذل الغالي والنفيس لينالها، فهي جنةٌ عرضها كعرض السماوات والأرض

لقد أحاط الله، تعالى، نعيم الدنيا بأمور منغصة كثيرة تجعل المؤمن لا يركن إليها ولا يغتر بها؛ لأنه لو لم تكن كذلك لتعلق بها الإنسان غاية التعلق. لكن الله، سبحانه -بحكمته- جعل فيها الأمراض والأسقام والمصائب وفقد الأحباب، لتصغر الدنيا في عين المؤمن، وتعظُم الآخرة في قلبه.

وقال الشاعر:

 لا طِيب للعيشِ ما دامتْ منغصة        لذاتُه بادكارِ الموتِ والهرمِ

نعم، لو ملكت نعيم الدنيا كله، ستظل المنغصات تطاردك، فلا مهرب لك منها. فإن سلمت من المرض لم تسلم من الهرم، وإن سلمت من الهرم فلن تسلم من الموت، الذي وصفه رسولنا ﷺ وصفا دقيقا حين قال: "أكثروا من ذكر هادم اللذات".

لقد نسي الإنسان الحديث "هادم اللذات"، ولم يعد حاضرا في يومه وليلته، حتى وصلوا إلى مرحلة عبر عنها القرآن بقوله: {نسُوا الله فنسِيهُمْ}

ألا يكفي أن نقول جوابا عن سؤال صاحبنا الغربي: إن نعيم الجنة ليس منغصا بشيء مما يخافه الإنسان في الدنيا؛ فلا هم ولا غم، ولا اكتئاب ولا حزن، ولا خوف من الفقد أو المرض أو الهرم أو الموت؟ أليس هذا وحده كافيا؟

ومع ذلك، فإن نظرة واحدة إلى آيات الجنة في القرآن الكريم والسنة النبوية كفيلةٌ بأن تجعل الإنسان يسترخص روحه في سبيلها، ويبذل الغالي والنفيس لينالها، فهي جنةٌ عرضها كعرض السماوات والأرض.

هناك أمرٌ وعدنا الله به، وهو أعظم من نعيم الدنيا والآخرة مجتمعتين، أتدري ما هو؟ إنه نعيم رؤية وجه الله الكريم سبحانه. وهل بعد هذا من نعيم؟!

كيف لي أن ألخص نعيم الجنة في هذه العجالة؟ إنها قضيةٌ أفاض القرآن فيها بمئات الآيات، وشرحها النبي ﷺ في مئات الأحاديث. لقد جمع الإمام ابن القيم في كتاب ضخم كل ما أمكنه من الآيات والأحاديث والآثار، فجاء مؤلفا في مجلدين كبيرين يزيدان على ألف صفحة، ولعل نظرة واحدة إلى فهرس الكتاب كافية لتمنح القارئ فكرة عن عظمة ذلك النعيم.

وكثيرا ما تستوقفني الآية الكريمة في سورة السجدة: {فلا تعْلمُ نفْسٌ ما أُخْفِي لهُم مِن قُرةِ أعْيُن جزاء بِما كانُوا يعْملُون}. فهي تفتح أمامنا آفاقا لا تُحد لتخيل نعيم الآخرة. ولو لم يكن في الجنة إلا ما وصفه الله من طعام وشراب وقصور وبساتين وحور عين وذهب وفضة، لكفى بها جنة تُطلب؛ لأنها سالمة من كل الآفات والمنغصات.

لكن الله سبحانه -من كرمه- فتح لنا الباب لنتمنى ما نشاء، فقال: {لهُمْ فِيها ما يشاءُون خالِدِين}.

إعلان

وختاما: هناك أمرٌ وعدنا الله به، وهو أعظم من نعيم الدنيا والآخرة مجتمعتين، أتدري ما هو؟ إنه نعيم رؤية وجه الله الكريم سبحانه. وهل بعد هذا من نعيم؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان