في عالم تتسارع فيه التقنية كما لو كانت قطارا بلا مكابح، يجد الغزي نفسه متأخرا عند محطة من الماضي، يراقب القطار وهو يمضي، ولا يملك تذكرة الركوب.
خلال عامين فقط تغير وجه العالم مرات عديدة: الذكاء الاصطناعي بات يكتب ويترجم ويرسم، والروبوتات تخدم البشر، والاتصال بين القارات أصبح أسرع من طرفة عين. لكن في غزة، انقطع الاتصال ذاته، وتحول الضوء الأزرق للشاشات إلى حلم بعيد المنال.
تضاعفت الهوة بين غزة والعالم، ليس فقط بسبب الحصار، بل بفعل العزلة الرقمية التي فرضتها الحرب الأخيرة: انقطاع الإنترنت المتكرر، وتعطل شبكات الاتصالات، وتدمير البنية التحتية الإلكترونية
فجوة علمية تتسع مع الحصار
في الوقت الذي تنشغل فيه الجامعات العالمية بتدريس أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يواجه طلاب غزة انقطاعا في الكهرباء، وضعفا في الإنترنت، ونقصا في الأجهزة.. لم يعد غياب التكنولوجيا مجرد تأخر عن الركب، بل أصبح حرمانا من أدوات الحياة الحديثة.
منذ عامين، تضاعفت الهوة بين غزة والعالم، ليس فقط بسبب الحصار، بل بفعل العزلة الرقمية التي فرضتها الحرب الأخيرة: انقطاع الإنترنت المتكرر، وتعطل شبكات الاتصالات، وتدمير البنية التحتية الإلكترونية التي كانت متنفسا لآلاف الشباب الطموحين.
جيل يبحث عن نافذة ضوء
جيل كامل من المبدعين والمبرمجين والمصممين وجد نفسه فجأة في عتمة مزدوجة: ظلام الحرب، وظلام العزلة التقنية. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الشركات العالمية عن "التحول الرقمي"، يعيش الغزيون تجربة "الانقطاع الرقمي" بكل تفاصيلها المؤلمة.
لم تعد الدورات التدريبية متاحة، ولا المنصات التعليمية قادرة على الوصول إليهم. وحتى من أراد أن يتعلم البرمجة أو التصميم عن بعد، وجد نفسه أمام شاشة بلا شبكة، وكهرباء بلا تيار.
التطور في العالم.. والتوقف في غزة
من حولنا تغير وجه العلم: السيارات الذكية تجوب الشوارع، والطب الرقمي يغير وجه العلاج، والتعلم الآلي يفتح آفاقا جديدة في البحث والتعليم.
وفي المقابل، توقفت غزة عند زمن الورق والقلم، لا لأن أبناءها يفتقرون إلى العقول، بل لأن البيئة حولهم ترفض أن تمنحهم الأدوات.. لقد أصبحت التكنولوجيا سلاحا من نوع آخر؛ فغيابها يعني غياب الصوت، وغياب الصورة، وغياب القدرة على رواية الحكاية للعالم.
في كل مرة يفتح فيها الغزي نافذة على الإنترنت، يشعر أنه ينظر إلى عالم يسير بسرعة الضوء، بينما هو يخطو بخطى العصور القديمة
حين تحاصَر الفكرة قبل أن تولد
في غزة، قد تموت الفكرة قبل أن تُكتب، لا لأن صاحبها عاجز عن التعبير، بل لأن الكهرباء انقطعت، أو الاتصال انقطع، أو الجهاز تحطم تحت الركام.. إنها مأساة من نوع جديد: مأساة العقل المحاصَر، والذكاء الممنوع من التواصل مع ذكاء العالم.
وفي كل مرة يفتح فيها الغزي نافذة على الإنترنت، يشعر أنه ينظر إلى عالم يسير بسرعة الضوء، بينما هو يخطو بخطى العصور القديمة.
نداء إلى العالم
يا من تتحدثون عن الثورة الصناعية الرابعة، وعن الذكاء الاصطناعي الذي سيغير وجه المستقبل، تذكروا أن في غزة عقولا أُطفئت قبل أن تضيء، وأحلاما قُطعت عنها الكهرباء قبل أن تصل إلى الشبكة.
ليس الفارق بيننا وبين العالم في الذكاء أو الطموح، بل في الوصول إلى الأدوات، في حرية الاتصال، في حق أن نحيا زمننا كما نحلم به.
غزة لا تريد صدقة تكنولوجية، بل حقا طبيعيا في المعرفة، وفي التواصل، وفي المشاركة في صناعة العالم الجديد.. ذلك هو أبسط أشكال العدالة في عصر باتت فيه العدالة تقاس بسرعة الإنترنت.
ومضة أمل وسط العتمة
رغم كل هذا، لا يزال في غزة من يصر على التعلم، ومن يكتب على ضوء شمعة، ومن يدرّس طلابه على الورق حين تغيب الشاشات.
إنها مفارقة تصنع الأمل وسط الدمار: أن يظل الإيمان بالعلم شكلا من أشكال المقاومة، وأن تبقى المعرفة أملا لا يُقصف. فحتى لو انطفأت إنارات الكهرباء، فسيبقى الضوء في العقول مشتعلا، ينتظر فقط أن تُرفع عن غزة الظلمة الكبرى: ظلمة الانقطاع عن العالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
