أمام السلطة، يتنازع المثقفَ مصيران: الأول هو الانبطاح تحت أقدامها والانسحاق وفق مآربها وأهوائها، لقاء ما قد يناله من فتات مال وجاه، أو على الأقل تأمين لقمة عيش باهتة، وهو ما يفرض عليه أن يستمرئ العبودية القصوى، ويمتح من معجم الاسترقاق ألقابا وصفات غاية في العبودية والذل والامتهان، ويسبغها على نفسه فتغدو أحب الألقاب إليه (خادمك المطيع، وصنيعتك، وتابعك، ومولاك المخلص)، ولا يُكتفى منه بذلك، بل عليه أن يرتقي في تأليه سيده ومولاه بألقاب وصفات تجعله أشد عبودية (سيدي، ومولاي، وولي نعمتي).
ولكي يصل إلى هذا الاسترقاق ومتعته عليه إتقان مهارات استمراء العبودية والتلذذ بها، بله أن يبرع فيها ويتفوق، فيشتغل بهلوانا يتقلب وفق رغبات مولاه وتقلبات أهوائه.
يقول ابن المقفع ناصحا هذا الصنف من المثقفين في سلوكهم أمام جلاديهم لكي يحافظوا على رتبتهم في العبودية: "فإن كنت حافظا إن بلوك، جلدا إن قربوك..، تعلّمهم وأنت تريهم أنك تتعلم منهم، وتؤدبهم وكأنهم يؤدبونك، تشكرهم ولا تكلفهم الشكر، بصيرا بأهوائهم، مؤثرا لمنافعهم، ذليلا إن ظلموك، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالحذر منهم كل الحذر".
لا بد أن يدرك هذا الصنف من المثقفين، مع كل ما قد يناله من جاه السلطة ومغانمها، أنه بين اللحظة والأخرى مهدد بمخاطرها، وفي أية لحظة قد يكون كبش فداء، أو ضحية هفوة من هفوات سيده أو سَورة من سوراته
كذلك، على هذا الصنف من المثقفين أن يوقن بأنه مجرد خديم يعمل بالسخرة، غايته أن يسبّح بحمد ولي نعمته ليل نهار، دون كلل أو ملل ودون انتظار مقابل، لأنه في الأصل صنيعة من صنائع سيده، ولا يملك ما يُعطي لسيده إلا نفسه.
يقول ابن المقفع: "وإني إن هديتك نفسي فهي ملك لك، لا حظّ بها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك، فإن كنت أهديتُ منها شيئا فإني لمُهدٍ مالك إليك".
وعلى هذا الصنف من المثقفين أن يوقن بأنه مسخ عديم الجدوى فحسب، له الشرف كل الشرف أن يسمح له السلطان بأن يضع معارفه تحت تصرفه، وليس عليه أن يعتد بأن له رأيا، وحتى حين يقدم رأيا إلى الحاكم، فلكي يصبح هذا الرأي ملكا لهذا الأخير، يصنع به ما يشاء أو لا يصنع، فمجرد طلب السيد الرأي من هؤلاء المثقفين، ومفاتحتهم بالحديث والتحدث إليهم، سواء عمل برأيهم أم لم يعمل، هو تكرمة تضفي عليهم من جاهه؛ ومن هنا يحض ابن المقفع مولاه أن: "لا تقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر منك الحاجة إلى رأي غيرك".
ولا بد أن يدرك هذا الصنف من المثقفين، مع كل ما قد يناله من جاه السلطة ومغانمها، أنه بين اللحظة والأخرى مهدد بمخاطرها، وفي أية لحظة قد يكون كبش فداء، أو ضحية هفوة من هفوات سيده أو سَورة من سوراته، ولعل مجد ابن المقفع ونهايته المأساوية دليل على هذه المفارقة البشعة؛ فقد ذكر الجهشياري في كتابه "الوزراء والكتاب" بشاعة الكيفية التي نُفّذت بها عملية إعدامه، والصدى الواسع الذي تركته، وردة الفعل، مما جعل الخليفة المنصور يتبرأ مما حدث، ويلقي بتبعته على واليه على البصرة للخروج من هذا المأزق.
"مسكويه" يصدح بانشغاله بالنظر العقلي، ويعلي من شأن العلم والثقافة، ويتبجح بذلك في كل حين، وواقع الحال يقول إنه أفنى حياته مصلوبا على أبواب أهل السلطة، وباحثا عن الذهب عن طريق الكيمياء
وأما المصير الآخر الذي ينتظر المثقف، فهو الزهد في حظوة السلطان ومكارمه، ومع ذلك قد يكون هذا الزهد زهدا مصطنعا، أي زهد العاجز عن كسب أموال السلطان واستخداماته؛ لأن سوق الأعيان والسلطان هي السوق الأجدى التي يتزاحم على أبوابها منتجو الثقافة، وهي سوق محدودة لا ينفذ إليها سوى القلة، فضلا على أن ليس كل بضاعة تروج فيها بطبيعة الحال. يقول الجاحظ: "السلطان سوق، وإنما يُجلب إلى كل سوق ما يتفق معها"، وهو ما يتطلب تزاحما على أبواب السلطة وندرة الواصلين، وهشاشة مراكزهم وتقلباتها.
وقد يشتد بعض هذا الصنف من المثقفين في نفي صفة المثقف المأجور عن نفسه، أو وصمة العمالة للسلطة والتسحيج لها، وإبداء اعتزازه بقيمته وقيمة ما يحمل من علم وثقافة، وأنه ليس للبيع، ويبالغ في نفيه وأنفته من مزاحمة أبواب السلطان، لكن هذا لا يغير من واقع الحال الذي يقول إنه من أحرص الناس عليها، وقلمه المأجور يشهد بذلك.
فـ"مسكويه" يصدح بانشغاله بالنظر العقلي، ويعلي من شأن العلم والثقافة، ويتبجح بذلك في كل حين، وواقع الحال يقول إنه أفنى حياته مصلوبا على أبواب أهل السلطة، وباحثا عن الذهب عن طريق الكيمياء، فلقد "أنفق زمانه وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان"، ويعضد كشف زيف ادعائه وتهافته، اعترافُه بأن "الدنيا هذه العاجلة محبوبة، والرفاهية مطلوبة، والمكانة عند الوزراء بكل حول وقوة مخطوبة".
المال كل شيء: ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال، ولا يظهر المروءة إلا المال، ولا الرأي ولا القوة إلا بالمال
- ابن المقفع
وإن قرر بعض هذا الصنف من المثقفين احترام نفسه فعلا، والاعتداد بقيمته الذاتية بوصفه مالك معارف شريفة بذاتها، والاستغناء بعلمه وثقافته عن السلطان ونفوذه، ورفض طرق أبواب الحكام لموقف مبدئي، وعدّ سفّ التراب أخف من الوقوف على أبوابهم إذا دنا منها دُفع عنها، والصبر على الاضطرار إلى التكسب من سوق السلطان والأعيان، فإنه سيخذله تقييم ذاته وما يمتلكه من معارف، وسيصدمه تقييم الآخرين لبضاعته، وستلدغه عذابات الفقر، وأنين الجوع.. ومن ذا الذي يقدر على الفقر في عالم يكون المال فيه قيمة القيم؟
يقول ابن المقفع: "المال كل شيء: ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال، ولا يظهر المروءة إلا المال، ولا الرأي ولا القوة إلا بالمال. ومن لا إخوان له فلا أهل له، ومن لا أولاد له فلا ذكْر له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة، ومن لا مال له فلا شيء له.
الفقر مَجمعة للبلايا، والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة".. وهو ما سيظل طوال العمر شجا في الحلق، وحرمان الفاضل، وإدراك الناقص.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

