"اِذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".. لم يقلها شعب غزة، ولا شعب فلسطين عموما قالها.
شعب غزة قال للمقاومة: اذهبوا قاوموا، إنا معكم صامدون ضد همجية المحتل، متشبثون بأرضنا في وجه رياح التهجير، قابضون على الجمر في يم التدمير والتجويع والإبادة الجماعية، نحن أنتم وأنتم نحن، ومعنا قدر الله وقدرته وقوة الحق والإيمان، إنا معكم مضحون بالنفس والمال، وبكل مقومات الاستقرار من سكن وطعام وشراب وأمن على الحياة والصحة والمستقبل.
نحن معكم إلى آخر نبض في هذه الأجسام التي أنهكها الجوع والمرض والجراح والتشرد، وطاردتها نيران المقاتلات والمسيرات والمصفحات والجرافات في كل الاتجاهات.
أخشى أن يعود التاريخ ليعيد نفسه فيُقدِم مستعمر الأمس، وبما يملك من قوة اقتصادية وعسكرية ودهاء سياسي، على تسليم ما تبقى من القدس وفلسطين والعالم العربي أو كل جزء منه على حدة إلى الصهاينة في إطار وعد "دونالد" لتحقيق حلم (إسرائيل الكبرى)
قدر المقاومة
قدر فلسطين أن تقاوم الاستعمار، وهو قدر كل الشعوب العربية ذات حين، مع اختلاف بسيط هو أن فلسطين سلمها المستعمر الإنجليزي إلى محتل جديد، إلى الصهيونية العالمية، لتكون وطنا قوميا لتجميع يهود العالم وفاء بوعد بلفور، لتخليص أوروبا من إزعاجهم، وتثبيت مخلب قط في قلب الشرق الأوسط.
أما أغلب باقي الدول العربية المقسمة فقد تسلمتها أنظمة حافظت على ولائها لمستعمر الأمس، مقابل مغريات المال والجاه والسلطة، وتحت طائلة العقاب بهدم الاستقرار الهش، أو بتغيير الحاكم ليحل محله حاكم آخر أكثر ولاء، سواء كان مقنعا بصناديق الاقتراع، أو بتدبير أحد ألوان الانقلاب.
وإذ ظلت جذوة المقاومة ملتهبة في المجتمع الفلسطيني، وروح النضال والجهاد حاضرة؛ فقد استكان المواطن العربي إلى استقرار خداع، وإلى استقلال ثبت زيفه في عدة محطات، أو على الأقل تكشفت عورته عبر الزمن.
وأخشى أن يعود التاريخ ليعيد نفسه فيُقدِم مستعمر الأمس، وبما يملك من قوة اقتصادية وعسكرية ودهاء سياسي، على تسليم ما تبقى من القدس وفلسطين والعالم العربي أو كل جزء منه على حدة إلى الصهاينة في إطار وعد "أميركا" لتحقيق حلم (إسرائيل) الكبرى.
أما المقابل، فهو اقتسام ما تبقى من ثروات، أو نيل مآرب أخرى كغزة مثلا، التي نام فخامته واستيقظ، وقد رأى أن من حقه الطموح إلى تحويلها من مساحة جغرافية يسكنها جزء من الشعب الفلسطيني عمرها وبناها منذ غابر الأزمان إلى منتجع سياحي، بعد هدمها وإخلائها من سكانها، وإعادة بنائها بما يليق به، كما صرح بذلك أمام الإعلام حين ساوم الغزيين ووعدهم بحياة أفضل خارج غزة.
يتدخل الاحتلال في أعماق سوريا تحت أعين إدارة "دونالد"، التي تفاوض وتناقش وتحاور النظام السوري الجديد، والهدف المؤكد هو فرض أمر واقع
الحلم الأخير
لتحقيق ذلك الحلم، يمارس الكيان الصهيوني منذ زمن -وبوضوح- سياسة التسلل السلس إلى ثقافة ووعي المجتمع العربي، والتسلل إلى سلاسل الإنتاج الفلاحي والصناعي والتعليمي، وإلى شبكة التجارة العالمية، كما يمارس في الخفاء التسلل إلى مراكز أكثر إستراتيجية، ويبدو أن طوفان الأقصى أدى به إلى محاولة حرق المراحل؛ فأصبح يضع أهدافا جديدة وينسخها بأهداف أخرى، ويجرب خططا ويعيد النظر في خطط أخرى، وذلك بيِن وواضح في سياسته تجاه دول الطوق، ودول أخرى بعيدة عنه جغرافيا.
على الرغم من الحرب الشعواء التي يتناوب الخليلان على إشعالها هنا وهناك، والحمم التي ألقيا بها في القطاع، وسياسة الحصار والتجويع والإبادة والهدم لجميع مقومات الحياة، فإن غزة لا يزال رجالها يقاومون وحدهم
دول الطوق الأدنى
يتدخل الاحتلال في أعماق سوريا تحت أعين إدارة "أميركا"، التي تفاوض وتناقش وتحاور النظام السوري الجديد، والهدف المؤكد هو فرض أمر واقع، يتم بعد ذلك التفاوض من أجل إدخال بعض الرتوش عليه، ومن ثَم الاتفاق على السماح باقتطاع جزء من سوريا للتوسع الجغرافي والعسكري والإستراتيجي، ثم فرض أمر واقع جديد ومفاوضات جديدة وقضم مساحات جديدة.
ويُضرب لبنان في كل حين على الرغم من اتفاق مبرم معه، كان تحت وصاية "أميركا" بعد انتهاء الحرب مع حزب الله، لتجريب الأسلحة، وقياس نسبة الغضب ورد الفعل في الجانب اللبناني، ودفعه إلى التطبيع النفسي والاجتماعي والسياسي مع حالة الاعتداء المزمن ومع مشروعيته.
ويبدو أن المطلب التالي، بعد أن يتحقق نزع سلاح الحزب، هو محاكمة كل أعضائه والمتعاطفين معه، ونفيهم أو سجنهم.
أما الأردن، فأمره في اعتقاد الاحتلال لن يتطلب احتلاله أكثر من بضع ساعات. والاحتفاظ به مؤقتا كجار "مسالم"، ووصي على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، يسرع سياسة الضم والتهويد للضفة والقدس عموما، وللمقدسات بالخصوص.
ما زال هذا الشعب الفريد يشكل العقبة الكأداء أمام طموح المختل وأحلام المحتل، وإن سقطت -لا قدر الله- فسوف يتداعى الباقون إلى السقوط تباعا
قوى الإزعاج القادم من بعيد
لم يكن نصيب دول الإزعاج المسلح، كاليمن وإيران والعراق، من مطبخ المحتل غير التدمير والإرهاب الممنهج؛ بهدف تحييدها عن الصراع، وتحجيم التهديد الذي يقض مضجعه من ناحيتها، والقضاء على أي خطر خفي أو محتمل على المدى القريب أو المدى البعيد، سواء كان مبلغه سماء فلسطين، أو غرفة نوم الرئيس، أو تكنولوجيا سلاح يتطور في الأنفاق.
أما الإزعاج السلمي القادم من الخليج أو من المغرب العربي، فنصيبه التحذير والترهيب والتثبيط، كإحراق إحدى سفن فك الحصار المتجهة إلى غزة، وهي لا تزال راسية في الميناء بتونس، بمسيرات استباحت الفضاء العربي وجعلته ملكا لها، وضرب مقر إقامة الوفد الذي يفاوض حول ورقة "أميركا" في الدوحة عاصمة قطر، الحليف الإستراتيجي لإدارته.
هذا السلوك تجاه قطر أراد به ضربة واحدة لعصفورين؛ الضغط على حماس للاستسلام، بالدلالة على أنها ليست آمنة من الاغتيال إلا في سجن المحتل أو أي سجن آخر، والثاني توجيه إنذار ثانٍ لقناة الجزيرة، بعد الاستهداف المستمر لمراسليها في المنطقة بالاغتيال، لأنها تنقل إلى العالم مباشرة تفاصيل حرب الإبادة في غزة، والتهويد في القدس والضفة، الأمر الذي ترتبت عليه العزلة والكراهية اللتان يراكمهما الكيان على مدى سنتين في وسط من كانوا بالأمس يتعاطفون معه.
السقوط
على الرغم من الحرب الشعواء التي يتناوب الخليلان على إشعالها هنا وهناك، والحمم التي ألقيا بها في القطاع، وسياسة الحصار والتجويع والإبادة والهدم لجميع مقومات الحياة، فإن غزة -القطعة الأول من قطع الدومينو- لا يزال رجالها يقاومون وحدهم نيابة عن الباقين.
وما زال هذا الشعب الفريد يشكل العقبة الكأداء أمام طموح المختل وأحلام المحتل، وإن سقطت -لا قدر الله- فسوف يتداعى الباقون إلى السقوط تباعا.. ولا أشك أن طموح المقاومة يتعدى عدم السقوط إلى إسقاط ما بناه وعد بلفور المشؤوم قبل أكثر من قرن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

