من أنس إلى صالح.. انتظارٌ لم يَطُل!

صالح الجعفراوي و أنس الشريف المصدر: حسابه عبر منصة إكس
الكاتب: ما جمع الجعفراوي (يمين) وأنس الشريف لم يكن زمالة المهنة فحسب، بل كانت بينهما ذلك الشعور الإنساني العميق بما يجب عليهما تجاه شعب يعيش معاناة عز نظيرها (مواقع التواصل)

إلى جوار صورة تجمعهما، كتبت عند استشهاد أنس الشريف كلمات قليلة؛ فالوقت لم يكن يتسع للمزيد، وإنما كان يكفي أن تتضمن تلك الكلمات وداعا ووعدا: "مع السلامة، وحنكمل المشوار.. وعد".

بين ما كتبه آنذاك، وما نكتبه عنه الآن، أيام لم تتجاوز الستين، كأنها فترة انتظار لم تطل، التحق بعدها رفيق الدرب برفيقه، وكأنه ذلك الانتظار الذي أخبر الله عنه في قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (الأحزاب: 23).

وكأن الإنسان حين يختار طريقه يختار نهايته، وإن الشهادة في سبيل الله لأروع نهاية وأعذب أمنية! ولذلك ترى من عشقها يقتحم المخاطر غير هياب من الموت، وكذلك كان صالح

ويبدو أن ما جمع بين صالح الجعفراوي وأنس الشريف لم يكن زمالة المهنة والعمل فحسب، بل كانت بينهما أيضا محبة ووداد ظاهران، تنبئ عنهما المشاهد والصور.

كما جمع بينهما ذلك الشعور الإنساني العميق بما يجب عليهما تجاه شعب يعيش معاناة عز نظيرها؛ فكان عليهما أن يسمعا العالم أنين المكلومين والجرحى، ويرياه غزة التي تعيش بين مرارتين: بطش العدوان ومرارة الخذلان.

ولأنهما كانا عين الحقيقة، فقد صارا هدفا لرصاص الاحتلال وعملائه، ويستوي في ذلك عدو محتل وخائن.

وكأن الإنسان حين يختار طريقه يختار نهايته، وإن الشهادة في سبيل الله لأروع نهاية وأعذب أمنية! ولذلك ترى من عشقها يقتحم المخاطر غير هياب من الموت، وكذلك كان صالح.

في عام 2024، نجا الجعفراوي من إصابة خطيرة في يده أثناء تغطيته غارة استهدفت حي الشجاعية، لكن ذلك لم يثبط همته، بل زاده إصرارا على المضي في الدرب الذي سار فيه، وواصل عمله متحديا الخطر!

وفي إحدى مقابلاته قال: "الصحفي في غزة لا يختبئ من الموت، هو فقط يحاول أن يسبق الكاميرا بثانية قبل أن يسقط الركام عليه".

إعلان

كتب الله لصالح أن يعيش بعد الحرب أياما، لا ليعلن أنه أتم المهمة، بل لتكتحل عيناه بما يسعد قلبه، وهو يرى أهله أبناء غزة ينهضون من بين الركام بعزيمة لا تلين، ليعودوا إلى الديار والجذور، فينطق لسانه بكلمات تموج فيها روح التحدي، ويقول مخاطبا أعداءه: "بدكم مليون سنة حتى تكسروا إرادة الشعب الفلسطيني، ومش رح تكسروها، إحنا شعب بنحب الحياة وبنستحقها".

عاش صالح مع غزة وأهلها أوائل الفرح بعد إعلان انتهاء الحرب، لكنه لم يسر معها في الدنيا شوطا بعيدا؛ وكأن الدنيا ضاقت عما ينبغي أن يناله من غبطة وسرور

حقا، لم تنكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وما الصحفي إلا من هذا الشعب، بل له فيه موقع الصدارة، وهو لذلك بالثبات أولى.
وهذا ما عايشه الجعفراوي وأكد عليه بقوله: "راهنوا علينا إنو تسقط الكلمة والصورة مع استشهاد أكثر من 250 زميلا صحفيا، لكن بقيت الصورة مستمرة، وبقي الزملاء في أرض الميدان".

عاش صالح مع غزة وأهلها أوائل الفرح بعد إعلان انتهاء الحرب، لكنه لم يسر معها في الدنيا شوطا بعيدا؛ وكأن الدنيا ضاقت عما ينبغي أن يناله من غبطة وسرور.

وإنا لنرجو أن يكون له عند ربه الجزاء الأوفى، الذي قال فيه سبحانه: (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) (القمر: 54-55)

رحمك الله يا صالح، وتقبلك في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان