في خضم مأساة لا تنتهي، حيث يتكدس مئات الآلاف من النازحين في رفح جنوبي قطاع غزة، بحثا عن أمل زائف بالنجاة من حرب الإبادة الوحشية، لمحت صديقا لي من بعيد؛ كان يترنح كشجرة أثقلتها العواصف، جسد منهك يتكئ على آخر رمق من القوة. اقترب مني، وعيناه المحمرتان تنطقان بألف حكاية من الحزن والأسى! سألته بتوجس: "أراك متعبا، أتمنى أن تكون بخير؟".. ليتني لم أسأل، وليتني لم أسمع ما قال!
قبل أن يجيبني عن سؤالي، تنفس بصعوبة بالغة، وكأنه يستميت لسرقة أنفاس الحياة من بين أنياب الموت! تحدث وكلماته كالجمر، تحرق روحه: "صواريخ الموت استهدفت مربعنا السكني ومعه منزلنا في الأسبوع الثاني من الحرب، موقعة عشرات الشهداء والإصابات.. واستعدت وعيي بعد أسبوعين من القصف.
في المستشفى، أبلغوني باستشهاد أمي وأخواتي وأطفالهن، وطفلتي الصغرى. أما زوجتي الحامل في شهرها التاسع، فقد استشهدت بعد أسبوع من إصابتها داخل العناية المركزة بمستشفى الشفاء. طفلتي الكبرى نجت، وسلموها لجدتها في الشمال، أما أنا فاستيقظت في مستشفى ناصر بخان يونس".
بعد عام كامل، التقى صديقي بطفلته الكبرى بمساعدة جهود دولية، لكن بحثه عن مولوده الرضيع لا يزال مستمرا، وكأنه يبحث عن روح مفقودة جاءت من رحم الموت
كنت أسمع وأنا أنظر إلى عينيه اللتين تكتويان بنار الألم! فجأة، صعقني أكثر حين أكمل حديثه، وكأن ما مر به لم يكن كافيا: "أنا أبحث عن طفلي الرضيع"! سألته بذهول ودقات قلبي تتسارع: "أي طفل؟"؛ أجاب بصوت خنقته اللوعة: "أجروا ولادة طارئة لزوجتي لحظة استشهادها، وأنجبت مولودها".
شرح لي أنه بعد حصار مستشفى الشفاء، ونظرا لخطر الحياة على المواليد الخدج، تم نقلهم إلى مشافٍ في جنوبي القطاع. ومنذ ستة أشهر، وهو يبحث عن مولوده البكر في المستشفيات الحكومية والميدانية، ولكن لا أثر له، ولا معلومة تضعه على طريق الوصول إليه.
ودعت صديقي وقلبي يعتصر ألما، وكأن لسان حاله يردد: "يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا".
بعد عام كامل، التقى صديقي بطفلته الكبرى بمساعدة جهود دولية، لكن بحثه عن مولوده الرضيع لا يزال مستمرا، وكأنه يبحث عن روح مفقودة جاءت من رحم الموت، واختفت بين أنياب الموت التي تنهش أجساد سكان غزة منذ عامين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
