في مشهد سياسي معقد ومتشابك، برز المجلس الرئاسي كنموذج حكم يُفترض به أن يحقق وحدة وطنية في اليمن. بيد أن السؤال الجوهري يبقى: أيمتلك اليمنيون الوعي السياسي والاجتماعي الكافي لتقبل هذا النموذج، أم إن المجلس سيكرس الانقسامات المناطقية والحزبية، ويحيي المذهبية، مما يقوض الولاءات الوطنية ويغذي الولاءات الفرعية؟
التمثيل في هذا المجلس غالبا ما يُنظر إليه من خلال منظور المحاصصة الجهوية والطائفية، ما يفاقم الشعور بالتهميش لدى فئات اجتماعية شتى، خاصة الشباب الذين يفتقرون إلى قنوات فعلية للمشاركة السياسية والاقتصادية
المجلس الرئاسي: نموذج متعدد الأوجه ومعوقات التقبل
تشكيل مجلس رئاسي مكون من عدة أفراد، في ظل واقع سياسي واجتماعي هش، يحمل في طياته إشكاليات بنيوية؛ فغياب ثقافة سياسية متماسكة، تفسح المجال لتداخل الولاءات الشخصية والمناطقية، يؤدي إلى تعزيز النزعات الانفصالية والقطبية الحزبية والمذهبية.
كثير من اليمنيين يواجهون أزمة ثقة في المؤسسات، وهو ما يعمق حالة التردد والشكوك حيال فاعلية المجلس الرئاسي كأداة لتحقيق التوافق الوطني.
الأهم من ذلك، أن التمثيل في هذا المجلس غالبا ما يُنظر إليه من خلال منظور المحاصصة الجهوية والطائفية، ما يفاقم الشعور بالتهميش لدى فئات اجتماعية شتى، خاصة الشباب الذين يفتقرون إلى قنوات فعلية للمشاركة السياسية والاقتصادية. وهذا بدوره يُضعف الانتماء الوطني، ويشجع الولاءات الضيقة التي تغذي النزاعات.
تداعيات التمثيل السياسي على المشهد الاجتماعي
غياب تمثيل حقيقي وفعال في المجلس الرئاسي يفاقم أزمة التمثيل السياسي والاجتماعي في اليمن؛ فبدلا من أن يكون نموذجا لاحتواء التنوع، يتحول إلى منبر يعزز الانقسامات المذهبية والمناطقية والحزبية، الأمر الذي ينعكس سلبا على النسيج الاجتماعي.
وتُظهر إحصائيات حديثة أن 70% من الشباب اليمني يشعرون بالتهميش السياسي، وهو ما يزيد من استعدادهم للانخراط في تحالفات ضيقة بدلا من الولاء للوطن ككل.
وهذا الأمر لا يفسر فقط بغياب فرص المشاركة السياسية، بل أيضا بفقدان الأمل في أن يكون للمؤسسات دور في تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
التحدي الأكبر يكمن في قدرة اليمنيين على تجاوز الولاءات الضيقة، والالتفاف حول مشروع وطني جامع، يرتكز على العدالة والمساواة والمشاركة الحقيقية، وإلا فستظل التجارب السياسية مجرد أدوات لتعميق الانقسامات، ومصادر إضافية للنزاع
هل الوعي السياسي والاجتماعي كافٍ للتغيير؟
الوعي السياسي والاجتماعي يُعتبر حجر الزاوية في نجاح أي نموذج حكم، لا سيما في سياق متأزم كاليمن. مع ذلك، يلاحَظ ضعف واضح في بنية الوعي المجتمعي السياسي، ناجم عن سنوات طويلة من النزاعات، والتضليل الإعلامي، وانعدام المؤسسات الفاعلة.
غياب آليات واضحة للتعليم السياسي والمشاركة المجتمعية يحد من قدرة المواطن على فهم دوره، ويجعل القبول بالنماذج السياسية الجديدة أمرا عسيرا.
هذا الوضع يهدد بزيادة الشرخ بين المؤسسات والمواطنين، ويعقّد أي مساعٍ لتحقيق السلام والاستقرار.
الطريق إلى وحدة وطنية حقيقية
في ظل تعقيدات المشهد السياسي اليمني، لا يمكن للمجلس الرئاسي أن ينجح إلا إذا ترافق مع إستراتيجية شاملة تعزز الوعي السياسي والاجتماعي، وتضمن تمثيلا عادلا يقطع الطريق على ثقافة المحاصصة والمذهبية.
كما أن تعزيز مؤسسات الدولة، وتمكين الشباب والمجتمع المدني من المشاركة الفاعلة، يعدان ضرورة لا غنى عنها لبناء ولاءات وطنية حقيقية تُنهي دوامة الانقسامات.
التحدي الأكبر يكمن في قدرة اليمنيين على تجاوز الولاءات الضيقة، والالتفاف حول مشروع وطني جامع، يرتكز على العدالة والمساواة والمشاركة الحقيقية، وإلا فستظل التجارب السياسية مجرد أدوات لتعميق الانقسامات، ومصادر إضافية للنزاع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

