عندما شاهدت مشاهد إسقاط تمثال حافظ الأسد، استرجعت مشهد سقوط تمثال صدام حسين في بغداد قبل أكثر من عقدين من الزمن.. في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن أسأل نفسي: هل سنسمع بعد سنوات من السوريين من يقول إننا نحتاج إلى "الدكتاتور العادل"؟!
أنا هنا لا أتحسر على النظام البعثي، سواء في سوريا أو العراق، ولكن التجربة العراقية، وما قد يحدث في سوريا بعد سقوط بشار الأسد، يدفعنا ذلك للتأمل في مصير الشعوب بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية.
ما حدث في العراق بعد إسقاط صدام حسين كان مليئًا بالفوضى، والاقتتال الداخلي، وتدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية. قد نتساءل اليوم: هل ستتجه سوريا في الاتجاه ذاته؟ أسينجح الشعب السوري في بناء دولة جديدة، أم إن البلاد ستدخل في دوامة مظلمة تقودها إلى مستقبل مبهم؟
كما أن تسارع الأحداث وانقلاب موازين القوى في وقت وجيز لم يكن منتظرًا؛ فنظام الأسد الذي كان الأكثر تماسكًا ظهر خلاف ذلك في اليومين الأخيرين، كما أن الظروف الإقليمية – وخصوصًا ما يقع في غزة ولبنان- قد تكون عملًا مساعدًا في عدم القدرة على السيطرة على الوضع السوري بعد نظام بشار. كل هذه العوامل تجعل القلق حقًا مشروعًا وليس تشاؤمًا.
الفوضى الأمنية والسياسية في سوريا قد تمنح القوى الخارجية، خصوصًا إسرائيل، ذريعة للتدخل بحجة حماية أمنها. وقد تمارس دول أخرى إقليمية دورًا في تغذية الصراعات الداخلية لتحقيق مصالحها الإستراتيجية، ما يعقد الوضع أكثر
وبما أن الأمور في سوريا تتسارع، تبقى هذه أبرز المخاوف التي قد تهدم حلم تحرر سوريا، كما هدمت حلم عدد من دول الربيع العربي:
الفرضيات المقلقة: سوريا بعد سقوط الأسد
- انقسام المعارضة وتعدد المليشيات
المعارضة السورية، رغم شجاعتها في مقاومة النظام البعثي، تعاني من انقسامات عميقة؛ إذ تتنوع مكوناتها بين مجموعات ذات أهداف متضاربة، بعضها أيديولوجي وبعضها مناطقي. هذا التنوع قد يتحول إلى صراع على السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ما يهدد بتقسيم البلاد كما حدث في اليمن أو ليبيا.
- خطر الانتقام والطائفية
النظام البعثي في سوريا كان مدعومًا بشكل كبير من الطائفة العلوية، ما يجعل العلويين عرضة للانتقام. هذا الانتقام قد يؤدي إلى موجة عنف طائفي واسعة، مثل ما حدث في العراق بعد سقوط صدام، حيث تفاقم الصراع بين السنة والشيعة، وأدى إلى تهجير وقتل مئات الآلاف.
- انفلات أمني وسيادة السلاح
سقوط نظام الأسد، وهروب قواته بشكل مفاجئ، قد يؤدي ذلك إلى جعل أسلحته ومعداته بيد مسلحين وحتى مدنيين، واستخدامها دون تقنين، وهو ما يذكرنا بالسيناريو الليبي بعد سقوط القذافي، حيث أصبح السلاح أكثر من خبر في شوارع ليبيا، كما أن إطلاق سجناء قبل هدوء الأوضاع واستقرارها قد يشكل خطرًا في المستقبل القريب.
- الجماعات الجهادية وتهديدها للأقليات
وجود جماعات محسوبة على التيارات الجهادية، يشكل تهديدًا للأقليات الدينية مثل الشيعة والمسيحيين. هذه الجماعات قد تسعى إلى فرض نموذج إمارة إسلامية في سوريا، ما يجعل البلاد ساحة جديدة للصراعات الدينية والإقليمية.
كما أن الإدارة الأميركية تصنف هذه الجماعات حركات إرهابية، ما يجعل وصول هذا التيار إلى السلطة خطرًا في ظل عدم تقبل الدول الكبرى له، ما قد يجعله يجنح إلى التطرف والتصعيد في القادم من الأيام للدفاع عن مكاسبه وحقه في الثورة.
- التدخلات الخارجية ومطامع الدول المجاورة
الفوضى الأمنية والسياسية في سوريا قد تمنح القوى الخارجية، خصوصًا إسرائيل، ذريعة للتدخل بحجة حماية أمنها. وقد تمارس دول أخرى مثل تركيا وإيران دورًا في تغذية الصراعات الداخلية لتحقيق مصالحها الإستراتيجية، ما يعقد الوضع أكثر.
هل ستكتب سوريا مستقبلًا جديدًا يليق بشعبها؟ أم سيعيد التاريخ نفسه، وتبقى البلاد رهينة الفوضى؟ هل تعيد سوريا ثقة المواطن العربي في صدق الربيع العربي؟
بين التحرير والفوضى
السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه: أيمثل سقوط نظام الأسد تحرر سوريا حقًا، أم إنه قد يكون بداية لمراحل جديدة من المعاناة؟. لا شك أن الشعب السوري يستحق الحرية والكرامة، ولكن الطريق إلى ذلك ليس مضمونًا بمجرد التخلص من نظام استبدادي.. المطلوب هو العمل الجاد على بناء دولة مدنية ديمقراطية قادرة على تجاوز الصراعات الداخلية، ومواجهة التحديات الخارجية.
ربما يكمن الأمل في قدرة السوريين على التعلم من تجارب الآخرين، وتوحيد صفوفهم لبناء وطن يحتضن الجميع دون إقصاء أو انتقام. فهل ستكتب سوريا مستقبلًا جديدًا يليق بشعبها؟ أم سيعيد التاريخ نفسه، وتبقى البلاد رهينة الفوضى؟ هل تعيد سوريا ثقة المواطن العربي في صدق الربيع العربي؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

