حبر الدم.. مفارقات حقوق الإنسان وفلسطين

طفل يجلس وسط أنقاض مدرسة مدمرة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في النصيرات، وسط قطاع غزة (الأنروا)
ما يحصل في فلسطين اليوم من بشاعة حرب وقتل وحرق وتشريد أصبح مرئيًا لشعوب العالم بفضل تطور تقنيات التواصل (الأونروا)

يتكون ميثاق حقوق الإنسان العالمي، الذي اكتمل عام 1966 بمصادقة 193 من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، من 30 مادة تكفل للبشر الحماية والحريات والكرامة الإنسانية دون تفرقة على أساس العرق أو اللون أو الدين أو اللغة، وقد صدر بعد حروب وحشية صبغت التاريخ البشري بدماء تصعب إزالتها. لذلك، جاء الميثاق كمحاولة لتنظيف أيدي البشرية من هذه الدماء، ومن الغريب أو المثير للسخرية أن المتسببين في تلك الحروب، هم أنفسهم الذين أرسوا هذا الميثاق العالمي، فأصابعهم تحمل الدم والحبر في آن واحد.

دولة فلسطين العربية لم تنل استقلالها كبقية المستعمرات، بل بدأت معاناتها الحقيقية عندما خرج الاستعمار الإنجليزي من أرضها، وبدأ السرطان الصهيوني بالتوغل داخلها

إن الجزار لا يمكن أن يكون طبيبًا في أي حال من الأحوال، حتى لو أعجبه زي الطبيب؛ سيحن لمهنته يومًا ما.. هذا ما حصل إبان الحرب العالمية الثانية وتقسيم تركة الرجل المريض، أي عندما بدأت الأطماع حول تلك الرقعة الجغرافية من العالم.

إنها دولة فلسطين العربية التي لم تنل استقلالها كبقية المستعمرات، إنما بدأت معاناتها الحقيقية عندما خرج الاستعمار الإنجليزي من أرضها، وبدأ السرطان الصهيوني بالتوغل داخلها.. معاناة مستمرة إلى حد الساعة، وما تعيشه اليوم ليس أقل مما عاشته سابقًا، إلا أن الفرق الوحيد هو البيئة؛ فالعالم في عام 1948 ليس هو نفسه في عام 2024؛ فقد آتت الحداثة ثمارها اليانعة وجعلت العالم قرية واحدة، نجد فيها الهبَّة لمساعدة الجار الذي اشتعلت النيران في بيته.

إن الذي وضع ميثاق حقوق الإنسان الذي يحتوي على 30 مادة، واستبعد شعب فلسطين المحتلة، لم يكن يعلم أن هذا الشعب سيعود بعد 76 عامًا ليحرق الميثاق كله

وما يحصل في فلسطين المحتلة اليوم من بشاعة حرب وقتل وحرق وتشريد واغتصاب أصبح مرئيًا لشعوب العالم بفضل تطور تقنيات التواصل، كما لم يعد بإمكان أي سلطة أن تخدع البشرية بميثاق أو إعلان تلقيه على الطاولة بعد كل جريمة حرب؛ فقد أسقطت فلسطين – الدولة المحتلة والمنسية تحت ركام النكبة والاحتلال – الوجه الحقيقي للعالم الذي يدعي الحريات والتحضر والإنسانية بينما يداه مخضبتان بالدماء.

إعلان

والآن، تتحرك الشعوب الحرة التي استيقظت للتو من صدمتها الوجودية نحو إسقاط هذا النظام الخادع وإرساء نظام جديد أكثر عدلًا وإنصافًا، نظام لا مكان للحرب فيه.

وفي النهاية، حريّ بنا أن نقول إن الذي وضع ميثاق حقوق الإنسان الذي يحتوي على 30 مادة، واستبعد شعب فلسطين المحتلة، لم يكن يعلم أن هذا الشعب سيعود بعد 76 عامًا ليحرق الميثاق كله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان