نستطيع القول إن فلسطين هي مصر الشمالية، ومصر هي فلسطين الجنوبية، وذلك بحكم الواقع التاريخي والجوار، وكل الجيران أقارب تقريبًا كقاعدة أنثروبوجغرافيا شبه عامة، كما يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه: "نحن وأبعادنا الأربعة". وفي أغلب أيام التاريخ الإسلامي كانت مصر وفلسطين بلدًا واحدًا.
يقول الدكتور جمال حمدان: "كما أن فلسطين بداية البعد الآسيوي في كيان مصر، فإن مصر هي بداية البعد الأفريقي في كيان فلسطين بالضرورة. وكلتاهما تُعد بمثابة الزر والعروة مما يلحم كلا البعدين أو يفعل شقّي الكبسولة، ولعلها أكثر من صدفة أن تزدوج مدينة رفح على جانبي الحدود -مثل نادر- رامزة كما يلوح إلى هذا الالتحام الأعم الأشمل".
كانت فلسطين عبر التاريخ ملجأ ومهربًا أو منفى لكثير من المصريين في فترات الاضطهاد أو الاضطراب أو المحن والأزمات، ابتداء من الحملة الفرنسية، إلى حملات محمد علي وحروبه على الشام وفلسطين ذاتها
- الدكتور جمال حمدان
ويقول الأستاذ العقاد في كتابه: "حياة قلم": "المجتمع الفلسطيني قريب من المجتمع المصري في تكوينه، وفي معظم آدابه وعاداته، ولا يختلفان إلا في بعض التقاليد.. فمن فلسطين مهاجرون في مصر، ومن مصر مهاجرون في فلسطين، وقد يعيش الفلسطيني في مصر زمنًا ثم يعود إلى بلاده، وقد ترى بينهم من يلقب بالأنشاصي والبلبيسي والطنطاوي، كما ترى بيننا من يلقب بالغزي والرملي والعكاوي، وكأنهم يتسابقون أو يتلاحقون في حلبة واحدة لا يخرجون منها، ولا يسرعون إلى تبديل معالمها، سواء في التقالىد الاجتماعية أو معيشة البيوت..
حتى «الملوخية» -وهي صحفة مصرية لا يتقنها الطهاة في غير وادي النيل- قد أكلناها في بيت أبي خضرة كما تؤكل على أفخر موائدنا التي تعتز بتقديمها في بواكيرها أو معقباتها؛ لأنّ أبناء هذا البيت على تراثهم القديم منذ كانوا بريف مصر ولا تزال لهم قرابة فيه.. بين مصر وفلسطين جوار هو أقرب من جوار المكان؛ لأنه كذلك جوار التاريخ، وجوار السكان".
يقول الدكتور حمدان في المرجع السابق :"لقد كانت فلسطين عبر التاريخ ملجأ ومهربًا أو منفى لكثير من المصريين في فترات الاضطهاد أو الاضطراب أو المحن والأزمات، ابتداء من الحملة الفرنسية، إلى حملات محمد علي وحروبه على الشام وفلسطين ذاتها، إلى عملية السخرة في حفر قناة السويس، إلى الحركة العُرابية، حتى تجنيد أنفار السلطة أثناء الحرب العالمية الأولى.. ومن هذه العناصر من عاد إلى مصر بعد إقامة طالت أو قصرت، لكن من الثابت المؤكد يقينًا أن كثرة هامّة منها استقرت وتوطنت وانصهرت في الكيان الفلسطيني، ولا تزال آثارها وذكرياتها باقية ملحوظة في السحنة واللهجة، وفي العادات والأسماء".
وهذا أكّده بالشرح والتفصيل اللواء إبراهيم محمد الفحام، في مقال له بمجلة العربي الكويتية، العدد 287 أكتوبر/ تشرين الأول 1982، تحت عنوان "المصريون والفلسطينيون شعب واحد"، وفيه يقول: "وقد استقرت في الريف المصري كثير من الأسر الفلسطينية التي استُعين بخبرتها في زراعة أشجار الفواكه.. وقد تحمل بعض القرى المصرية أسماء قرى وعشائر معروفة في فلسطين.. فقرية السماعنة بالشرقية تسمت باسم جماعة السماعنة من عرب فلسطين، نزلوا بها فعرفت بهم، كما ورد في تاج العروس.. وقرية برقين بالدقهلية استمدت اسمها من قرية برقين الفلسطينية، ويرجح أحمد لطفي السيد أن أسلاف السكان الحاليين قد نزحوا إليها من فلسطين، كما جاء في مذكراته..
أكثر من عُشر سكان فلسطين يمتّون إلى أصل مصري منذ مجيء جيش إبراهيم باشا
- الكاتب الفلسطيني عمر البرغوثي
وفي القاهرة تتوطن كثير من الأسر فلسطينية الأصل التي تمتهن التجارة، وأغلبهم من النابلسة والخلايلة، أي أبناء نابلس والخليل، وفي مقابل ذلك استقر كثير من التجار المصريين في المدن الفلسطينية، الذين كانوا يترددون عليها للتجارة، وخاصة البلابسة، أي أبناء بلبيس بمحافظة الشرقية، حتى يقال إنه لا تخلو من واحد منهم على الأقل مدينة فلسطينية.. وكانت روابط تجمع أبناء مدينتي دمياط ويافا من الروابط التجارية والاجتماعية والثقافية، مما يفوق أية روابط تجمع أبناء مدينتين في قُطر واحد".
وجاء في كتاب "تاريخ غزة" لعارف باشا العارف قوله: "لقد كان المصريون أهم عنصر من عناصر السكان الذين استوطنوا غزة على مر الأحقاب.. وتجد تشابهًا في اللهجة، وفي العادات والعنعنات، وفي الأفراح والمآتم، وفي السحَن وتقاطيع الوجه، وفي الأبنية والمآكل وفي كل شيء".
وعندما استولى نابليون على يافا في مارس/آذار 1799، وجد فيها أربعمائة مصري، من بينهم نقيب الأشراف السيد عمر مكرم. وعندما أخمدت قوات الاحتلال الفرنسي حركة المقاومة الشعبية التي قادها حسن طوبار نزح إلى غزة. وعندما تقرر نفي خطيب الثورة العُرابية السيد عبد الله النديم إلى بلاد الشام، اختار يافا فاستقبله في مينائها عدد كبير من العلماء والأعيان، واستضافه مفتي المدينة، السيد علي أبو المواهب، فأقام في بيته شهرًا حتى استأجر دارًا خاصة.
ويُقدر الكاتب الفلسطيني عمر البرغوثي أن: "أكثر من عُشر سكان فلسطين يمتّون إلى أصل مصري منذ مجيء جيش إبراهيم باشا". وكان في القدس ما لا يقل عن مئتي أسرة قبطية مصرية متوطنة منذ أجيال.
يقول الأستاذ محمد كرد علي، في مقالة له بعنوان: "المصري خارج أرضه"، نُشرت في مجلة الهلال، العدد 6 أبريل/نيسان 1940: "ولولا أنك تلمح في سحنات أهل غزة ويافا وحيفا وعكا مثلًا تلك السمرة الجميلة، وتسمع في بعض أسمائهم لفظ المصري، لقلت إنّهم شاميون من عشرات البطون".
ويقول اللواء الفحام: "ولقد كان الشعب الفلسطيني شديد الانفعال بأحداث مصر، كما كانت فلسطين من أكثر الأوطان العربية تأثرًا بالحركة الوطنية المصرية. وقد ظل الشعب المصري بدوره بالغ الحساسية، شديد الانفعال بالظروف والأحداث التي يعانيها الشعب الفلسطيني؛ لأنّ الرابطة بين هذين الشعبين ليست من قبيل الروابط التي تستمد وجودها وصلابتها من الاتفاقات أو السياسات الرسمية فقط، بل هي رابطة واقعية بين شعبين، يسهم كل منهما بنصيب وافر في النسيج الاجتماعي للشعب الآخر".
يقول الدكتور جمال حمدان: "الواضح في الوقت الحاضر أن الثقل الأكبر من السياسة القومية لمصر المعاصرة يتجه إلى الجبهة الآسيوية، ولا شك بفعل القضية الفلسطينية أساسًا، تلك التي أصبحت بطريقة أو بأخرى- شئنا أو أبينا- جوهر ومحور وجماع سياسة مصر الخارجية في الواقع".
مشكلة إسرائيل في الحقيقة أكبر من مشكلة فلسطين، فهي لا ترادفها ولا تخصها وحدها، ولكنها تتعداها لتكون مشكلة كل دول المشرق العربي بصورة مباشرة، والعالم العربي كله بصورة غير مباشرة
بعد هذا السرد التاريخي، الذي يثبت تاريخية العلاقة والاندماج والتزاوج في كل شيء بين الشعبين المصري والفلسطيني، وبين البلدين مصر وفلسطين، هل يمكن لأحد أن يقول إن قضية فلسطين هي قضية تخص الشعب الفلسطيني وحده؟!
يجيب الدكتور جمال حمدان في كتابه: "فلسطين أولًا": "إن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين وحدهم، هم حقًّا ضحيتها الأولى، ولكن ليسوا الأخيرة، وهم قطعًا طليعة التحرير، ولكن ليسوا مؤخرته.. والخطر يهدد الجميع، بل يحثهم بالأصح عليهم. والقضية عربية بقدر ما هي فلسطينية، وليست كما قد يُظن فلسطينية أولًا وعربية ثانيًا، بل إن فلسطين لم تعد تملك – فرضًا – حق التصرف في قضيتها، دون أن نقصد بهذا إطلاقًا مصادرة لإرادتها أو وصاية، وإنما الخطر التي يكتنفها يكتنف العرب جميعًا، ومشكلة إسرائيل في الحقيقة أكبر من مشكلة فلسطين، فهي لا ترادفها ولا تخصها وحدها، ولكنها تتعداها لتكون مشكلة كل دول المشرق العربي بصورة مباشرة، والعالم العربي كله بصورة غير مباشرة.
لقد أصبحت فلسطين – في معنى حقيقي جدًّا- بعدًا أساسيًّا في وجود وكيان ومصير كل دولة عربية؛ أصبحت "جزءًا" من سوريا، و"جزءًا" من مصر، و"جزءًا" من الأردن، و"جزءًا" من العراق.. إلخ، بمثل ما أن كلًّا من هذه الدول قد أصبحت "جزءًا" من فلسطين مصيرًا ومآلًا. إنها قمة التداخل والالتحام القومي العربي، في النظرية والتطبيق.. وهذا يحدد المسؤوليات العملية، ويقطع الطريق على العمليات النكوصية.
نقول هذا لأن بعض القعوديين والانهزاميين أراد بالقول إن القضية فلسطينية أولًا وعربية ثانيًا أن يلقي عبء التحرير على الفلسطينيين لكي ينفض يديه ويتخلص من المسؤولية.
أمّا الموقف السليم فهو تزاوج العمل النضالي الفلسطيني والعربي: الفلسطيني كطليعة فدائية، أصحاب الدعوى، والعربي كجسم القوة وقلب المقاومة والتحرير".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

