عن تأجيل انسحاب القوات الأميركية من العراق

مشهد من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار بالعراق (رويترز)

ملفّ وجود القوات الأميركية وانسحابها من العراق، وهي التي تقود التحالف الدولي المناهض للإرهاب، بحاجة إلى وجود رغبة من الطرفين، وحصول تفاهمٍ بعيدًا عن التوترات.. ونظرًا للوضع الاستثنائي في الشرق الأوسط، والعدوان على غزة، قرر الطرفان تأجيله إلى إشعار آخر.

هذه القوات انخفض عديدها خلال السنوات الماضية إلى حوالي خمسة آلاف، واستقرّت في معسكرين: أحدهما في الغرب (قاعدة عين الأسد في الأنبار)، والثاني في الشمال (قاعدة حرير في أربيل – إقليم كردستان). وهما موضعان بيئتهما الاجتماعية سنية (عربية وكردية)، وهذا ما يدفع القوى الشيعية إلى القول إن السنة والكرد هم الرافضون لمغادرة الجنود الأميركيين العراق، فهل هذا حقيقي؟

كثير من الدول الكبيرة فيها قواعد عسكرية أميركية، ولا تعاني من مشكلة الإرهاب، مثل ألمانيا واليابان، وهذا يعني أن الوجود الأميركي مرتبط بالمصالح بالدرجة الأساس أكثر من ارتباطه بالإرهاب وغيره من الذرائع مثل حماية حقوق الإنسان

إنّ المفاوضات بشأن وضع هذه القوات على الأرض العراقية بدأت في شهر يونيو/ حزيران 2020 عقب اغتيال إدارة ترامب للقائد العسكري الإيراني قاسم سليماني في 2 يناير/ كانون الثاني 2020. فبعد عملية الاغتيال بثلاثة أيام قرر البرلمان العراقي إخراج هذه القوات، ومنذ ذلك الحين حتى الآن لم تصل المفاوضات إلى نتيجة؛ كل ما فعله الأميركيون هو إعادة تموضع جنودهم في محافظتين فقط بعد أن كانوا في سبع محافظات. لكن، هل يريد الأميركيون فعلًا مغادرة العراق؟

قبل الجواب عن السؤالين السابقين، لابد من الإشارة إلى الإستراتيجية الأميركية العامة في العالم والمنطقة، الهادفة إلى حماية مصالحها، وأحد عناصرها الأساسية ضرورة وجود قواعد عسكرية في مناطق مختلفة في العالم، وبقوات صغيرة الحجم وقوية، تكون مزودة بالتكنولوجيا العسكرية الضرورية وجاهزة للضرب، وهذا مثبت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية زمن الرئيس ترومان.

وما تهديد الإرهاب والعمل على محاربته إلا حجة لتعبيد الطريق لإرسال الجنود وبناء القواعد العسكرية.. كثير من الدول الكبيرة فيها قواعد عسكرية أميركية، ولا تعاني من مشكلة الإرهاب، مثل ألمانيا واليابان، وهذا يعني أن الوجود الأميركي مرتبط بالمصالح بالدرجة الأساس أكثر من ارتباطه بالإرهاب وغيره من الذرائع مثل حماية حقوق الإنسان.

إعلان

يتأكد التمسك بهذه الإستراتيجية الآن أكثر من قبل في الشرق الأوسط، في خضم الحرب الجائرة التي تمولها الآلة الحربية الأميركية على غزة، وارتكاب الإبادة الجماعية (جينوسايد) بحق سكانها المدنيين، فالعين المبصرة ترى وصول البوارج الحربية إلى المنطقة والبحار وزيادة حجمها، فكيف يمكن سحب القوات الموجودة أصلًا في دولة جارة لدولة ترى فيها واشنطن محورًا من محاور الشرّ؟

هذا التوضيح ربما يقول لنا إن الأميركيين ليسوا بوارد الانسحاب من العراق، وإن كل ما يجري هو صياغة تسويغ البقاء وتقنينه، ليس أكثر من هذا.. لكن ماهي أداة الضغط الأميركية للبقاء؟

رئيس الوزراء قال في الإعلام إن العراق ليس بحاجة إلى وجود القوات الأجنبية في العراق، لأنّ القوات المسلحة قادرة على أداء الواجب

لا شك في أن القواعد العسكرية ليست ذات طابع عسكري أمني فحسب، وإنما البعد السياسي والاستخباري هو الأكثر حضورًا، ويكون عادة في إطار اتفاق سياسي، والسياسة تسحب معها الاقتصاد مع ما فيه من شركات واستثمار وغيرها، وهي من المغريات أو المكافآت، لكن الأمر في حالة العراق أوسع؛ فقيمة العملة العراقية واقعة – كحال غيرها من العملات في العالم – تحت رحمة الدولار، ومن ثم وزارة الخزانة الأميركية.

وفي الفترات السابقة كان مسؤولو وزارة الخزانة يترددون على بغداد، والفدرالي الأميركي يطلب إجراءات معينة من البنك المركزي العراقي؛ بمعنى أن انهيار الدينار العراقي يكون أحد التبعات أو الأسلحة بيد الأميركيين، بالإضافة إلى ضرورة اعتبار إعفاء العراق من الحصار المفروض على إيران، وتعامل البنك الدولي، كما أن الجانب الأوروبي الاقتصادي والأمني يتأثر أيضًا بالانسحاب العسكري الأميركي، ثم إن العراق بحاجة إلى الدعم والمساندة الأميركية على المستويين الدولي والإقليمي كذلك، كما يعطي وجود الأميركان حجة للمسؤولين العراقيين في انتهاج بعض السياسات أمام الإيرانيين، كورقة سياسية يمكن اللعب بها إن أحسنوا التعامل.

أما عراقيًا فما من جدية كاملة في هذا الملف، لأن الإطار التنسيقي الحاكم لم يضغط بما يكفي، وإلا لكان ذلك ممكنًا خلال السنوات الأربع الماضية، هذه فترة كافية وزيادة، لكن مع وجود الدافع والمبرر، والاجتماعات الدورية للجنة العليا المشتركة بين البلدين، مضت أربع سنوات وأربعة أشهر، ثم يأتي بعد هذه الفترة الطويلة إعلان وقف انسحاب القوات الأميركية والدولية من العراق، علمًا أن رئيس الوزراء قال في الإعلام إن العراق ليس بحاجة إلى وجود القوات الأجنبية في العراق، لأنّ القوات المسلحة قادرة على أداء الواجب.

من حق الإيرانيين أن يقلقوا في ظل ظروف منذرة بالتفجر في أي وقت، لا سيما أن القوات الموجودة على الأرض العراقية تصدت للمسيرات والصواريخ الإيرانية التي كانت متجهة لقصف إسرائيل في أبريل/نيسان 2024

والحق أن مسألة الإرهاب المسلح في العراق، إذا كان المقصود بها هؤلاء المسلحين من بقايا تنظيم الدولة، فإن التعاون الاستخباري الدولي مع العراق كافٍ من دون التدخل العسكري المباشر على الأرض، وبالتالي تنتفي الحاجة العسكرية للأميركان، لكن من المعلوم أن المسألة أكبر من وجود بضعة آلاف من الجنود على الأرض، وهم أساسًا لا يدخلون في المواجهات، ومن الغريب أن تتحرك هذه القوات ببضع عشرات من العناصر على الأرض بين المدن تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بينما العراق له من الجنود مئات الآلاف من الجيش والشرطة والحشد الشعبي.

فالجهة التنفيذية الحاكمة، لو كان القائمون عليها جادّين بما يوازي تصريحاتهم النارية المتكررة، لأجبروا ممثلهم الذي يترأس الحكومة على تقديم طلب رسمي للأميركيين بالمغادرة، كما نص الاتفاق المبرم بين الطرفين في سنة 2014، لكنهم لم يفعلوا إلى الآن، وهذا بذاته يرمز إلى أن الكرد والسنة العرب ليسا الطرفين المعرقلين لتنفيذ إجراءات الانسحاب.

إعلان

الجهات الجادة في ملف الانسحاب هي التي تقصف معسكرات الأميركيين، وكذلك الإيرانيون الذين يلحظون تصاعد وتيرة العداء الأميركي لهم بمرور الوقت، وانعكاس الحرب الدولية على غزة، ومن حق الإيرانيين أن يقلقوا في ظل ظروف منذرة بالتفجر في أي وقت، لا سيما أن القوات الموجودة على الأرض العراقية تصدت للمسيرات والصواريخ الإيرانية التي كانت متجهة لقصف إسرائيل في أبريل/ نيسان 2024، وهذا دليل إثبات آخر على أن الأميركيين لن ينسحبوا؛ لأنهم في موقع متقدم للغاية فيما يتعلق بحماية إسرائيل من الإيرانيين، أو ممارسة المراقبة عبر تقنيات متطورة، وحتى مسيرات مزودة بكاميرات عالية الجودة، دون الاضطرار إلى اختراق الأجواء الإيرانية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان