شعار قسم مدونات

مواعظ كسيحة!

كثرة المنشورات الوعظية على وسائل التواصل
من المستحسن ألا تأتي المواعظ التي ينشرها أحدنا على حساباته الشخصية بغزارة تفوق ما يمكن أن يتقبله ويُقبل عليه الآخرون (وكالة الأناضول)

فجأة وجدتُني في قفص الاتهام.. وضعت فيه نفسي لاستجوابها، كنت أنا المحقق والمتهم في آنٍ معًا!

حدث ذلك حينما وصلتني من صديق لي رسالة على واحدة من وسائل التواصل الاجتماعي، تحمل كلماتها موعظة رقيقة بليغة، فوجدْتُ أن قواعد اللباقة تقتضي مني التعليق بكلمات مناسبة، أو إشارة تعلن استحساني لما جاء في الرسالة، وجميل ذوق المرسل.. وتحركت أصابعي لتفعل ذلك، لكنها وجدت ما ألجمها ودعاها للتريث، والوقوف أمام تساؤل مشروع قبل أن تتابع المهمة.

هو تساؤل عن هذا الاهتمام الذي نوليه للثناء على كلمات تصلنا، نراها صائبة ومحقة، هل يجاريه اهتمام بتحويل الكلمات إلى فعل نمارسه ونلتزمه؟ أترانا نقف حقًا عند معاني الرسالة، أم انشغالنا يقتصر على مجاملة المرسل؟

أتساءل عن الفعل الذي تؤديه هذه الغزارة في المنشورات الوعظية، أتراها تستنهض هممنا لسلوك سبيل الخير، أم الاعتياد عليها لكثرتها سببَ حالة تبلّد وعدم استجابة؟

فالحقيقة أن العيش في زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جعلنا أسرى ممارسات وسلوكيات جديدة طارئة، ولئن كان بعض ما يشبهها موجودًا عند أسلافنا، فإنه لم يتحوّل إلى فعل يمارسونه على مدار اليوم والساعة.

أجدني اليوم أتأمّل ما نكتبه على صفحاتنا، وما نقرؤه على صفحات الأصدقاء، فتبدو لي هذي وتلك حافلة بكثير من الأقوال المأثورة، والتوجيهات الحكيمة، والنصائح الثمينة.. فإذا ما تركت هذا العالم الافتراضي، ونزلت إلى عالم الواقع الذي يعيشه الناس، رأيت البون بين العالمين شاسعًا، والاختلاف بين الصورتين واسعًا، وكأن ما نكتبه وما نقرؤه مجرد زينة نصنعها من كلمات، يبدأ دورها كزينة، وينتهي دون أن يغادر المبتدأ.. فلا أملك إذ ذاك إلا أن أعيد قول آخرين: "ما أكثر المواعظ، وما أقل المتّعظين!".

وأتساءل عن الفعل الذي تؤديه هذه الغزارة في المنشورات الوعظية، أتراها تستنهض هممنا لسلوك سبيل الخير، أم الاعتياد عليها لكثرتها سبَّب حالة تبلد وعدم استجابة؟. تأخذني الخواطر إلى زمن مضى، لأرى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعودٍ – رضي الله عنه – يذكّر الناس ويعظهم في كل خميس، فيقول له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكّرتنا كل يوم، فيقول: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي – صلّى الله عليه وسلم- يتخولنا بها مخافة السآمة علينا.

بذلك يتأكد لي أنه من المستحسن ألا تأتي المواعظ التي ينشرها أحدنا على حساباته الشخصية بغزارة تفوق ما يمكن أن يتقبله ويُقبل عليه الآخرون، لكي تبقى لها جدواها، ولا تتحول إلى مجرد كلام غير مسموع، وفعل روتيني عديم التأثير.

كثيرًا ما تتخذ تلك المنشورات أسلوب التهويل والمبالغة في تصوير ما ينتظر الإنسان من الثواب أو العقاب في الدعوة إلى التزام سلوك، أو اجتناب آخر

وإنني كنت – وما أزال – أرى الموعظة في أهميتها وأخذها وأثرها مثل الدواء، لا يصلح إلا أن تكون معلومة المصدر، سليمة المحتوى، مضمونة النفع، مأمونة الضرر، تُؤخذ بقدر محسوب، وتأتي في موعد مناسب؛ فإن خرجت عن تلك الضوابط والمعايير فقدت فاعليتها، ولم تحقق غايتها، بل ربما أفسدت حيث ينبغي لها الإصلاح. ويبدو أن شيئًا من هذا قد أحدثه عصر الإنترنت، أو لنقل: أحدثناه في عصر الإنترنت، فأخرجنا به الموعظة عن حقيقتها وضوابطها إلى حالة من الفوضى والعبث.

ونشير هنا إلى أن الضرر والخلل قد اتسع ليشمل جوانب عديدة؛ فقد صار مألوفًا اليوم أن نجد من يطالعنا على حسابه على الفيسبوك أو غيره بمنشورات عدة في اليوم الواحد، تحمل صبغة دينية، وتنطق بلغة تخاطب العواطف، وتستثير المشاعر، وهي تعرض بلا شك جانبًا من الحقائق، ولكن المدقق في ثناياها يجدها في كثير من الأحيان تقرر مع تلك الحقائق أحكامًا لا تصحّ، وتعرض كلامًا لا ينضبط، وتفرض أمورًا لا تستقيم في ميزان الشريعة.

وكثيرًا ما تتخذ تلك المنشورات أسلوب التهويل والمبالغة في تصوير ما ينتظر الإنسان من الثواب أو العقاب في الدعوة إلى التزام سلوك، أو اجتناب آخر؛ وقد يحصل تهاون في القول على الله بغير علم، وهذا فعل شنيع جعله الله قرين الشرك في عداد ما حرم الله، فقال تعالى: {قل إنَّما حرَّم ربِّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغیر الحقّ وأن تشركوا باللَّه ما لم یُنَزِّل به سلطانࣰا وأن تقولوا على اللَّه ما لا تعلمون} [سورة الأعراف: 33].

يبدو أن هذا الخلل في بناء الموعظة مرتبط بخلل في حقيقة الدافع لتقديمها، إذ نلمس وراءها نوعًا من الهوس بتحقيق حضور لافت على وسائل التواصل الاجتماعي

وقد يرى بعضنا هذا الأمر هينًا ما دامت الغاية إصلاحية؛ ولكن هذا القول مردود، فليس لدعوة الحق أن تسلك سبيل الباطل، وإن فعلت فقدت هُويتها وحقيقتها.. ثمّ إن الإنسان الذي يُعدّل سلوكه، ويصحح مساره لتأثره بكلام سمعه، إذا اكتشف لاحقًا أن ذاك الكلام خالطته قصص مخترعة، وأحاديث لا تصح، وتهويلات ومبالغات، فإنه قد تحدث له انتكاسة تجعله لا يكتفي برد القول الخاطئ، وإنما يترك سلوكًا صائبًا بُني على قول خاطئ.

ويبدو أن هذا الخلل في بناء الموعظة مرتبط بخلل في حقيقة الدافع لتقديمها، إذ نلمس وراءها نوعًا من الهوس بتحقيق حضورٍ لافت على وسائل التواصل الاجتماعي، مقرونٍ بحرص على حصد أقصى ما يمكن من تسجيلات الإعجاب بالمنشور.

وعندما يغدو الأمر كذلِكَ تتنحى الأمانة العلمية في التثبت من مصداقية ما يتضمنه المنشور، وتصبح الآلة التي تقود العمل يدًا اعتادت عمليات النسخ واللصق على شاشة الجوال، لا قلبًا يتحرق ألمًا لما يجد من انحرافات، ويشعر بمسؤولية الحرص على إيقافها.

ويبقى أن نشير إلى أنّ الخلل الذي عرضناه ما هو إلا فرع لواقعٍ عامّ نعيشه، إذ نجد أنفسنا اليوم مع الإمكانات الهائلة التي وضعتها بين أيدينا تقنيات الهاتف المحمول بين طريقين، كلاهما مفتوحٌ على أوسعه، في أحدهما يفيض الخير والنفع، وفي الآخر يطغى أذى مغلّفٌ بألوان مغرية.. فأيهما سنختار؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.