شعار قسم مدونات

الهجرة النبوية.. قراءة سياسية إستراتيجية

صورة تعبيرية لطريق الهجرة النبوية (الجزيرة/ميدجورني)

إذا أردنا أن نتحدث عن الهجرة، يجب أن نتحدث عن بداية تخطيط النبي الكريم للهجرة، حتى ندرك الهدف الإستراتيجي والمرحلي لها.

فمرحلية المشروع الإسلامي للنبي – صلى الله عليه وسلم -، انتقلت في الفترة المكية من الفرد إلى الفريق، ثم إلى الجماعة، وكان المشروع الإسلامي فيها عبارة عن فكرة ودعوة وقيم ومبادئ وأخلاق، جسدها فريق من الصحابة المهاجرين الذين صبروا وصمدوا لتحقيق الرؤية الشاملة، التي كان يسير وفقها النبي، ويعرضها على قبائل العرب؛ أما المرحلة التالية، فكانت مرحلة المنظمة، تبعتها الدولة، لتتوسع بعدها إلى الأمة والخلافة.

رغم أن النبي لا يملك أي قوة عسكرية أو مالية أو سياسية كان يفاوض متوكلًا على الله، معه جماعة من 200 رجل بعقيدة صلبة، تؤمن برسالته وقد فدتها بالمال والدم والأهل

دوافع الهجرة

كان لزامًا على النبي أن يبحث عن بيئة أخرى تحمي المشروع الإسلامي، ويؤسس فيها أركان الدولة بعد أن استنفد كل السبل مع قريش؛ بسبب مصالحها التجارية والسياسية خاصة.

وبعد عام الحزن الذي فقد فيه الحماية القبلية بوفاة عمه أبي طالب، والدعم المالي بوفاة زوجته خديجة، رضي الله عنها، خرج النبي إلى الطائف مهاجرًا بدعوته عسى أن تقبله، لكنها رفضته لولائها لقريش ورابطتها التجارية معها.

بعدها لم يستسلم، واستغلّ موسم الحج من السنة العاشرة للبعثة، وبدأ يعرض رسالته على وفود القبائل واحدة واحدة حتى أكثر من 20 قبيلة، وخاض مفاوضات كان يرفض فيها أنصاف الحلول، وأي شرط يجزِّئ المشروع الإسلامي أو يربطه بولاء غير الولاء لله.

ورغم أنه لا يملك أي قوة عسكرية أو مالية أو سياسية كان يفاوض متوكلًا على الله، معه جماعة في حدود 200 رجل بعقيدة صلبة، جماعة مؤمنة برسالته وقد فدتها بالمال والدم والأهل؛ بينما كان أبولهب يمشي وراءه ويقول: لا تسمعوا لهذا وما جاء به من البدعة والضلالة، يريد منا أن نترك آلهة آبائنا.

حتى إذا كان آخر يوم من موسم الحج مرّ عليه 6 شباب من الخزرج، فدعاهم وقبلوا مباشرة، فكانوا يرون فيه الأمل والمنقذ من أزمتهم الداخلية القائمة بسبب الحرب الأهلية القبلية، التي كانوا يتجرعون مرارتها ويريدون الخلاص منها

المفاوضات

سأل أبوبكر رجال قبيلة بني شيبة (المناذرة على حدود الإمبراطورية الفارسية وكان ولاؤهم للفرس) عن قوتهم العسكرية، لمعرفة قدرتهم على حماية المشروع؛ فدعاهم النبي إلى الإسلام، وحدثهم عن الأخلاق، فكان مما قال: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"، فقال له المثنى بن الحارث: "وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا"، ورفضوا حمايته من الفرس، فقال النبي – رافضًا أيَّ ولاء لأي جهة إقليمية أو دولية كانت- : "وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه".

وعندما عرض رسالته على بني عامر بن صعصعة قال سيدهم: "أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر (الحُكم) من بعدك؟"، فقال بوضوح: الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء.

حتى إذا كان آخر يوم من موسم الحج مر عليه 6 شباب من الخزرج، فدعاهم وقبلوا مباشرة، فكانوا يرون فيه الأمل والمنقذ من أزمتهم الداخلية القائمة بسبب الحرب الأهلية القبلية، التي كانوا يتجرعون مرارتها ويريدون الخلاص منها؛ وكانوا من قبل يسمعون نبوءات اليهود عن نبي آخر الزمان.. تعاهدوا في العام القادم فحضر 12 فردًا، ثم حضر في العام الذي يليه 73 رجلًا وامرأتان.

تشكّل تنظيم المشروع الإسلامي ليكون نواة تأسيس المجتمع في المدينة، ووضع النبي -صلى الله عليه وسلّم- دستورًا ينظم علاقة المسلمين باليهود، وبقية الشرائح الأخرى

الاجتماع التأسيسي

خطط النبي جيدًا لعقد اجتماع بيعة العقبة الكبرى، فكان اجتماعًا سياسيًا أمنيًا، وضع فيه أسس النظام الجديد المضاف إليه المهاجرون، فتمّ في اللقاء العقد الإيماني والسياسي، وبايعوه على عدة بنود، تشمل السمع والطاعة، فهي علاقة المنظمة بقائدها، والإنفاق في العسر واليسر، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم.

وقاطع أحدهم وطرح تحفظه قائلًا: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال (اليهود) حبالًا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم النبي وقال مقولة كلها مروءة ورجولة: "بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".

قال أحدهم: فما لنا بذلك إن نحن وفينا؟.. لم يقل لهم ستكونون وزراء معي، ولم يقل لهم سأعطيكم غنائم، ولم يقل لهم سأعطيكم مناصب ووظائف، وإنما قال كلمة واحدة: "الجنة"! قالوا: اُبسط يدك، فبسط يده فبايعوه صلى الله عليه وسلم. وبعقلية النبي القيادية الإدارية طلب منهم أن يُخرجوا له 12 نقيبًا ليكونوا ممثلين عن الأنصار، وهو ممثل عن المهاجرين حتى يهاجر إلى المدينة.

في أول ستة أشهر بعد الهجرة تم تشكيل الجهاز العسكري بقيادة حمزة وعلي، وتعيين سبعين من الصحابة لمتابعة تعليم ورعاية فقراء المسلمين (أهل الصفة)، وعقد اتفاقيات أمنية مع قبائل تمر عبرها تجارة قريش

تأسيس الدولة

هكذا تشكّل تنظيم المشروع الإسلامي ليكون نواة تأسيس المجتمع في المدينة، ووضع النبي -صلى الله عليه وسلّم- دستورًا ينظم علاقة المسلمين باليهود، وبقية الشرائح الأخرى.

وفي أول ستة أشهر بعد الهجرة تم تشكيل الجهاز العسكري بقيادة حمزة وعلي، وجهاز المخابرات، وتعيين سبعين من الصحابة لمتابعة تعليم ورعاية فقراء المسلمين (أهل الصفة)، وعقد اتفاقيات أمنية مع قبائل تمر عبرها تجارة قريش.. وهكذا تكون مؤسسات الدولة الأساسية قد اكتملت.

هذا ما كان في الجانب التخطيطي للهجرة، كانت ضرورة مرحلية لهدف إستراتيجي، هو تأسيس دولة الإسلام.

خرج النبي وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرضٍ إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك".. فهاجر من أجل تأسيسٍ جديد: تأسيس فيه تحرُّر من قومية دولة قريش، وتحرر من نفوذ السلطة والمال الذي كانت تحكمه سياسة قريش، وتأسيس تحرُّر من الأصنام التي كانت ترمز للقومية، وتعبد من دون الله، فكان لكل قبيلة صنم يمثلها عند الكعبة.. هو تأسيس تحرُّر من الحماية القبلية رغم قدرة قبيلته على حمايته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.