شعار قسم مدونات

أصول الحكاية عند العرب

حكايات الفانتازيا العربية Fortuny Fantasia àrab.jpg From Wikimedia Commons, the free media repository
من الأساطير التي تداولتها المصادر الأدبية قصة زرقاء اليمامة وقصة إساف ونائلة (وكالات)

لا يوجد في التراث العربي تعريفٌ جامع مانع لمصطلح الحكاية فغالبًا ترد اللفظة مرادفة لمعنى الخبر أو القصة. لكن كثيرًا من الدارسين تناولها وقصد بها الخبر الذي تشوبه الخرافة، ويلزم التفريق بين الخرافة والأسطورة في هذا المقام. فالخرافة في التراث العربي تتصل بالكلام المنسوب إلى الحيوانات، أما الأسطورة فتتعلق بما ينسب للبشر من أعمال خارقة كقصة كُليب ملك ربيعة الذي كان قتْله سببًا في حرب البسوس، وقد قيل إنه وُضع في صندوق وأُلقي في البحر، وبعد مدة طويلة عثر عليه الناس حيًا، وهذا لا يجري في سنن البشرية إلا إذا كان صادرًا عن الأنبياء وأصحاب المعجزات.

والجانب الآخر في الأسطورة أنها كلامٌ يفسّر ظواهر الكون والقوى الغيبية في مجتمع من المجتمعات، وهذا يشيع عند الأُمم البدائية؛ لأنّها كانت في تساؤل دائم عن طبيعة الكون وحقيقة الإنسان في مرحلة سمّيت (المرحلة الطوطمية)، أي مرحلة بدائية كان الناس يعبدون فيها أشياء غير متجانسة دفعة واحدة.

فالعرب توجّهوا لعبادة النخل والشمس والحجارة التي نحتوها بأيديهم، أما الفرس فقد عبدوا الحيوان والنبات والكواكب والنار. وكانت النخلة -مثلًا- رمزًا للحياة ومسكنًا للآلهة ومكانًا لتناسخ الأرواح، وهذا هو معنى الأسطورة الذي تشي به الموروثات الفكرية.

وإذا بحثنا عن الحكاية أو القصة في العصر الجاهلي سنخرج في بادئ الأمر بحكم مقتضاه أنه لا وجود لها لعدم وصول شيء منها إلينا. ربما لم يدوّن العرب القصص، ولكن لا يمكننا أن نقرر ذلك جملة، ربما دوّنوا ثم فُقدت الكتابات، مستأنسين بما عدده الآمدي من نحو ستين كتابًا للقبائل كانت تذكر فيها مفاخرها وأنسابها وقصصها. وقد وثقت كثير من المصنفات أسماء جمهرة عُرفت بالقصّ في الجاهلية، مثل تميم الداري، والأسود بن سريع السعدي، والنضر بن الحارث.

من الأساطير التي تداولتها المصادر الأدبية قصةُ زرقاء اليمامة وقصةُ إساف ونائلة اللتان جاء ذكرهما في الكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير

هل دونت الحكايات العربية قديمًا؟

كان العرب يعرفون قصص الأمم السابقة كقصة ذي القرنين (ويسألونك عن ذي القرنين). فهل يعقل أن هذه القصص حفظت في الأذهان ونقلت مشافهة طوال هذه السنين مع وجود شعراء خلد التأريخ الأدبي العربي أسماءهم، أمثال: المُرقِّش الأصغر، والنابغة الذبياني، ولبيد بن ربيعة، وكعب بن زهير، وغيرهم.

وإذا واصلنا البحث ونوّعنا مصادره فسنجد أنواعًا كثيرة من القصص، مثل: النوادر، والفكاهات، والقَصَص الخرافي، والأمثال التي تتعلق غالبًا بحدث قصصي واقعي. ومنها ما سمي (بالأخبار)، وهي التي تقصّ أيام العرب، وقصص الملوك، وأخبار الأمم السابقة، كحجر بن معاوية الكندي، وقصة عمرو بن هند ملك المناذرة مع عمرو بن كلثوم.

ومن الأساطير التي تداولتها المصادر الأدبية قصةُ زرقاء اليمامة وقصةُ إساف ونائلة اللتان جاء ذكرهما في الكامل لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير. وهما صنمان نصبا عند الكعبة في الجاهلية، وشاع بين العرب قديمًا أنهما كانا شخصين عملا عملًا قبيحًا قرب الكعبة فمسخا حجرين. وقصص الخيال المحكي بلسان الحيوانات من أكثر القصص والحكايات التي تضمنت عناصر واضحة من عناصر القصّ التي تستخدم كمعايير لتحليل محتوى القصة وتلمّس أبعادها الفنية والموضوعية.

تأصيل الحكاية والحالة القصصية العربية مهم في النقاشات الأدبية والثقافية في ظل ما نواجهه من تغريب ثقافي بعضه مقبول ونافع وضرورة للتلاقح الفكري بين الحضارات

القصة القرآنية وتأصيل معالم الحكاية العربية

ومن خلال القصص القرآني تبلورت معالم جديدة لمكوّنات الحكاية، حيث ظهرت القصة الواقعية التاريخية جليّة بعيدًا عن الافتراءات أو الأساطير، وانمازت بخصائص فنية شاملة لا تقتصر على اللفظ وحده، أو على المعنى وحده، ولا على أسلوب السرد منفردًا.

تأصيل الحكاية والحالة القصصية العربية مهم جدًا في النقاشات الأدبية والثقافية في ظل ما نواجهه من تغريب ثقافي بعضه مقبول ونافع وضرورة للتلاقح الفكري بين الحضارات. وفي ظل الهجمة الشرسة على الرواية العربية وشقيقتها الصغرى القصة القصيرة، ومحاولة إخضاعهما للمعايير الروائية الغربية بالكامل؛ استسهالًا من بعض النقاد والمشتغلين في مجال الأدب، ونكوصًا عن وضع أسس وقواعد عربية تناسب الجو العام للقصّ والحكاية في العالم العربي.

وقد يقول قائل: ما جدوى الحديث عن أصل الحكاية العربية؟ ونحن نعيش اليوم انجرافًا تامًا نحو حداثية القص شكلًا ومضمونًا. وما الفائدة المبتغاة من إعادة البحث على ما ابْتَدَأ به منذ عقود بل قرون مضت. في الواقع علينا ألا نتوقف عن طرح نقاشات التأصيل والتأريخ لجملة الآداب العربية حتى لو اندثر بعضها، لا سيما أننا لا نرى توقفًا لحوارات التأريخ للمذاهب الفكرية الغربية والمدارس النقدية، والمظاهر الإبداعية التي رافقت حياة الإنسانية في الغرب قبل ثورته التصادمية مع قيود سدنة الفكر والاجتماع فيه والتي سُميت لاحقًا بالتنوير.

القصة القرآنية التي حملت عناصر القص والحكاية بشكل جلي جعلت أمر إنكار بروز هذا الفن الأدبي مبكرًا لدى العرب دعوى منكرة وبائنة بينونة كبرى

الأسلوب الحكائي جزء من الوعي العربي

القصّ الذي زخرت به ثقافتنا العربية قديمًا، وشكل واحدة من طرائق الفهم والوعي والتواصل الفكري والإنساني، خاصة بعد أن سار النهج القرآني على اعتماد الصورة المروية التي تحكي سيرة الأمم والرسل؛ لترفع درجة التصور الشعوري الواعي لدى المتلقي، هو جزء ثابت وأصيل في الواجهة الثقافية العربية، حتى إن الأسلوب الحكائي تغلغل أحيانًا إلى ديوان العرب (الشعر)، فجاءت كثير من النماذج الشعرية محتضنة للحكايات مؤرّخة لها كالشعر الذي قيل على لسان الجليلة بنت مُرّة تتفجع فيه على مقتل زوجها كُليب.

ولا يستطيع مدعٍ أن يسلب الثقافة العربية هذا المنحى الواعي في أسلوب التعبير والارتقاء بالنفس، فالقصة القرآنية التي حملت عناصر القص والحكاية بشكل جلي جعلت أمر إنكار بروز هذا الفن الأدبي مبكرًا لدى العرب دعوى منكرة وبائنة بينونة كبرى، أما الشكل الذي تطورت عليه الحكايات والقصص حتى وصلت إلى الرواية بثوبها الغربي، فهو أمر لا ننكره بل نؤكد على ضرورة أن يكون للرواية العربية ثوبها الخاص بها أيضًا، في ظل ازدحام الأجواء الثقافية بكم هائل من الأفكار المتلاطمة دون وعي أو قانون يضبطها.

  • والسؤال في هذا المقام: لماذا على الكتّاب والمثقفين وأرباب الأدب الاشتغال على التأصيل التأريخي لجميع فنون الكتابة العربية؟

الجواب ببساطة، ما يتعرض له أدبنا العربي من حالة استلاب واضحة من مريدي الآداب الغربية، وليته كان استلابًا فقط بل تغولًا وانتقاصًا من القيمة الفكرية والتأثيرية لما وصلنا من تاريخ آداب العرب، كنا نتحدّث عن الشعر بأنه الأكثر تأثرًا بالاستلاب الثقافي، والتغوّل على أصوله ومعاييره التي جعلت منه شعرًا، أما الآن فالظاهرة صارت متفشية حتى في الفنون النثرية، وأول مقياس يضعنا في صورة ما يتعرّض له أدبنا هو ظاهرة ركاكة اللغة والتقليل من أهمية إتقانِ حدّ كبيرّ من بيان اللغة وبلاغتها، حيث إن الحد الأدنى لا يصلح مع حال الأدب، ولا يرتقي في عصر يَعجّ بالمنافسة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.