شعار قسم مدونات

عرب المهجر: مسلمون، ولكن!

مظاهرات في العاصمة الفرنسية باريس دعماً لغزة
مظاهرات في العاصمة الفرنسية باريس دعمًا لغزة (الجزيرة)

(الديمغرافيا هي القدر).. أدرك "أوغست كونت" هذا متأخرًا جدًا، وتأخر الغرب أكثر حين لم يصدقوه، كيف لا، وسياسة تحديد النسل كانت إحدى الأسلحة الفتاكة بالجنس البشري، والتي اعتُبِرَتْ لزمن طويل سلوكًا حضاريًا وتنويريًا في مواجهة التخلف، وما يسمى بتضخم السكان أمام تضاؤل الموارد الطبيعية وشح المياه، وما إلى ذلك من قناعات أثبتت التغيرات المناخية، وتمدّد الرقعة الديمغرافية لعرب المهجر، خبثَها وفشلها الذريع.

اختصر الإسلام المعادلة الديمغرافية بمنطق قدري لا يربط الرزق بالإملاق والفقر، بل بالبسط الإلهي، بينما يغدو الإمداد الإلهي بالمال والبنين، في التصور القرآني، معيارًا توازنيًا للقوة والبركة، وفي هذين حصانة لكرامة الأمة وعزتها، طالما أن الخسة والذلة في القلة، ولذلك حاول الغرب الاستعاضة عن قدرية الديمغرافيا بمواطنين مرتزقة على طريقة أجدادهم الرومان، بحيث يصبح المهاجرون مواطنين برتبة الاحتياط، فكيف انقلب السحر على الساحر؟

المرحلة الحساسة من عمر الخلافة الشقراء لقبيلة الفايكنغ الجدد، تنزلهم عن سلم الحضارة الذي جعل فيه ابن خلدون السقوط نتيجة حتمية للفساد والانحطاط الأخلاقي.

هنا في المهجر، تنشأ مجتمعات جديدة، وأجيال وُلِدَتْ ورَبَتْ في الغرب وعلى قيمه التي اقتبسها من إرثها الثقافي، كالعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. معيدة الاعتبار إلى امتدادها الحضاري بما يكفل تأثيرها في موازين القوى، والسياسات وصناعة القرارات.

من هنا اندمجت هذه النخب بلوبيّات قادرة على الضغط بعدة أوراق، لتعزيز الدعم للقضية الفلسطينية والحد من الانحياز الأعمى لإسرائيل، تمامًا كما حدث مع أكبر حزب في تاريخ بريطانيا العظمى، حزب المحافظين، الذي هيمن على إنجلترا منذ القرن التاسع عشر، ثم عاد إلى السلطة بحلة محافظين جدد تبنوا ذات العقلية، ولكن بإطار مقلوب كرس الحرب ذريعة للسلام.

فبينما لم تنجح النكسات المتوالية – منذ الأزمة الاقتصادية بعد حرب العراق والحرب على ما يُسمى الإرهاب "الإسلاموفوبيا"، من ثم البريكست وأزمة المناخ، وبعدها أزمة كورونا، وما نجم عنها من فضائح الاستهتار وسياسة الكذب، والبطالة والتضخم الاقتصادي وتدهور الخدمات الاجتماعية والطبية، وكساد سوق العمل وانتشار بنوك الطعام بعد شيوع الفقر والجريمة والإدمان – بالإطاحة بعرش المحافظين، استطاعت غزة ومِن ورائها عرب المهجر إزاحتهم عن المشهد السياسي، ليشغل رئيس حكومة الظل " كير ستارمر"، الفراغ في منصة العرض.

ويعود حزب العمال -القطب الثاني لأكابر الدولة- بتحديات خطيرة تتعلق بمسألة الثقة، لأن "العمال" لا يجرؤون اليوم على منافسة مرشحين مسلمين مستقلين في ضواحٍ ومناطق أغلبيةُ سكانها مناصرون لفلسطين، ورغم تأكيد المؤشرات على أن حزب الفراغ هذا سينتصر، فإن المرحلة الحساسة من عمر الخلافة الشقراء لقبيلة الفايكنغ الجدد، تنزلهم عن سلم الحضارة الذي جعل فيه ابن خلدون السقوط نتيجة حتمية للفساد والانحطاط الأخلاقي.

تحالف غالاوي مع النخبة الدعوية في بريطانيا وهي في أوج قوتها برهن على ثقل عددي للناخبين المسلمين، وتأثير هذا على موازنة المرحلة، وهو وما يجب أن يجيد المسلمون توظيفه بشكل إيجابي وفاعل لا تصبح معه الخارطة الديمغرافية مجرد غثاء كغثاء السيل!

مسلمون، ولكن!

طرد حزب العمال النائب البريطاني الشهير جورج غالاوي على إثر مناصرته للعراق والقضايا العربية، ونعتته كبريات البراندات الإعلامية في بريطانيا، بالخائن، حتى جاء الطوفان، بمعركة انتخابية قلبت الدنيا رأسًا على عقب، وأدخلت حزب "العاملين" الذي أسسه غالاوي عام 2019 إلى أروقة البرلمان البريطاني، بعد غياب دام لأكثر من تسع سنوات، ولكن هذه المرة عبر ما أطلقت عليه الصحافة البريطانية: تحالف اليسار الأبيض مع الإسلاميين، يرى فيه الكاتب نيك كوهين في The Spectator أن المسلمين ينظرون إلى غالاوي على أنه المنقذ الأبيض، الذي يهتف لصدام وبوتين وحزب الله، مستبعدًا أن يشكل خطرًا حقيقيًا على حزب العمال على المدى القريب.

علمًا بأن الميديا البريطانية تداولت مقاطع لغالاوي يخاطب فيها الناخبين المسلمين في مدينة روتشديل إحدى أحياء مقاطعة مانشستر الكبرى- غرب الشمال الإنجليزي، باقتباسات من القرآن الكريم، ليحثهم على انتخابه والإطاحة بحكومة سوناك، وفعلًا أعادت غزة غالاوي إلى مجلس العموم مظفرًا قبل أن يحل رئيس الحكومة البرلمان تأهبًا لانتخابات مبكرة، تبرز فيها شخصيات نسائية محجبة، إما مستقلة وإما ضمن باقة من مرشحي المجالس المحلية في حزب "العاملين"، حتى كأن غالاوي أصبح الناطق الرسمي باسم غزة ومناصريها.

وقد هدد بمقاضاة الإعلام الذي حرض على الإبادة وبررها وتواطأ معها، وشنّ عليه حملات إعلامية شعواء حاولت تشويه سمعته واغتيال صورته، بتهم منها اعتناق الإسلام ونبذ كاثوليكيته، ثم بتحالفه مع المتطرفين ضد قيم الغرب التنويرية،  وتحديدًا بعد ظهور الداعية الفيلسوف " محمد حجاب" البريطاني المصري على برنامجه : "أم البرامج الحوارية".

لكن الأمر تراكمي، فالدور الجوهري الذي لعبه الإعلام العربي المناصر لفلسطين في بريطانيا، أعاد فلسطين إلى الواجهة، ثم دور الجيل الجديد من الدعاة، منذ أكثر من عقد، بعد مرحلة "ديدات" و" ذاكر نايك"، خلق قاعدة جماهيرية مليونية عبر مواقع التواصل، من خلال بث المناظرات مع الفلاسفة والملاحدة وعلماء المسيحية والانتظام في حلقات دعوية في الـ " هايد بارك " وبثها على اليوتيوب وتداولها، ما بلور وعيًا جديدًا ونظرة مختلفة للإسلام وللقضية الفلسطينية.

ولذلك فإن تحالف غالاوي مع النخبة الدعوية في بريطانيا وهي في أوج قوتها برهن على ثقل عددي للناخبين المسلمين، وتأثير هذا على موازنة المرحلة، وهو وما يجب أن يجيد المسلمون توظيفه بشكل إيجابي وفاعل لا تصبح معه الخارطة الديمغرافية مجرد غثاء كغثاء السيل!

"سايرا" البريطانية الباكستانية التي تنتمي لمجموعة أصدقاء فلسطين "نساء للنساء"، اختارت أن تنطلق من مسجد المدينة، لتنظيم فعاليات ثقافية يذهب ريعها إلى غزة، آخذة على عاتقها إيصال وجبات طعام للطلاب المعتصمين في الحرم الجامعي احتجاجًا على تمويل الإبادة

نساء للنساء

تحولت المظاهرات لمنهج حيوي امتد إلى الضواحي والمجتمعات المحلية وأدخل فلسطين إلى كل بيت، وأصبح يوم السبت – العطلة الأسبوعية عند الإنجليز- يومًا وطنيًا لفلسطين، فالكوفيات والأعلام والأغاني الفلسطينية والهتافات تجتاح شوارع لندن وتخترق أسوار 10 داوننغ ستريت، الشارع الذي خرج منه وعد بلفور والحرب العالمية والعصر الكولونيالي والكيان الصهيوني والإسلاموفوبيا، وتمت عبره مغنطة الوعي وإعادة بريطانيا إلى عصور الظلام.

قناة الجزيرة كان لها دور تظاهري يكرس البث الحي على مدار الساعة، ليس لنقل الحدث من غزة، بل لنقل المشاهد إلى غزة، ما تسبب بثورة يقظة، قابلها تعتيم إعلامي بريطاني فاقم من حجم الإحساس بالظلم والغضب لدى الأمهات اللواتي لم يحتملن رؤية أشلاء أطفال وعائلات، حيث لا تعيرهن الحكومة البريطانية – التي تكرس النسوية كنهج إجباري قمعي – أي اهتمام.

نتحدث هنا عن المدارس بشكل خاص، فـ "ربى حسن" الفلسطينية البريطانية، أخذت على عاتقها التصدي للنظام الانحيازي العنصري في المدارس التي تحظر على الطلاب نصرة فلسطين، وتمنع منعًا باتًا إظهار أي رمز ثقافي يعبر عنها ، فقامت هي وسبأ عباس البريطانية اليمنية ومجموعة نساء للنساء من أجل فلسطين، بتنظيم بازار للتطريز الفلسطيني والمأكولات الفلسطينية، ذهب ريعه إلى رفح لنصْب الخيام وإغاثة النازحين والمنكوبين، وبدا البازار كأنه قطعة من فلسطين، بعبقه وأزيائه وطقسه العام، حتى زواره من الإنجليز تجمعوا حول مدخله وبسطوا مقاعدهم على عتبة بابه، على طريقة الفلاحين الفلسطينيين، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال المعركة الثقافية التي تخوضها الأم الفلسطينية في المهجر، ضد النهج التربوي الحكومي الذي يمارس وصاية تعسفية على الأبناء، لسلخهم من جذورهم وتهجينهم كمرتزقة جدد.

جاء البازار ليعكس كل ألوان الطيف، ويجعل الجميع فلسطينيًا في سياق اجتماعي وثقافي وإنساني نبيل. رأت فيه (سبأ) ابنة الجذور اليمنية رحلة استشفاء للوعي والذات من كل الانكسارات التي سببها النفاق في الموقف الرسمي من الحرب على غزة، ومن الحرب الروسية الأوكرانية، في افتضاح مهين لازدواجية المعايير.

  • فبريطانيا التي رفعت شعار: " حياة كل طفل مهمة" منذ الولادة وحتى سن 19 عامًا، تتجاهل حياة أطفالنا وموتهم.  إنها كما تقول سبأ محاولة لإنقاذ الضمير الإنساني من الفشل الذريع في هذا الاختبار الأخلاقي الحاسم.
  • "سايرا" البريطانية الباكستانية التي تنتمي لمجموعة أصدقاء فلسطين "نساء للنساء"، اختارت أن تنطلق من مسجد المدينة، لتنظيم فعاليات ثقافية يذهب ريعها إلى غزة، آخذة على عاتقها بالتعاون مع بقية أعضاء المجموعة، إيصال وجبات طعام للطلاب المعتصمين في الحرم الجامعي احتجاجًا على تمويل الإبادة، ما عرضهم للقمع والاضطهاد والحرمان من الطعام وهذا دعم على دعم، تشد به النساء من أزر المناصرين لفلسطين.
  • "هاديا" معلمة بريطانية من جذور لبنانية، قادت حملة مقاطعة واسعة، وأصدرت هي ومجموعة من معلمي الضواحي بيانًا لتنظيم احتجاجات خارج وزارة التربية والتعليم، تماشيًا مع أهداف وقيم المهنة للتضامن مع المعلمين والأطفال في فلسطين استجابة لمبادئ الإنسانية والرحمة التي يجب أن تحكم وجودنا المشترك، فالألم الناجم عن فقدان طفل أو معلم متفانٍ جرحٌ يجاوز الحدود والانقسامات السياسية ويمس جوهر إنسانيتنا المشتركة -كما تقول-.

عرب ومسلمو المهجر، في تجلٍّ نضالي عالٍ، لا يقل أبدًا عن ذلك الذي يخوضه أهلهم في فلسطين، فلولا كل هؤلاء لظلت فلسطين وراء البحر، منطقة مجهولة لا مكان لها على الخارطة أو في الذاكرة

رفعت العرائض لتدين الاعتداءات الإسرائيلية وتطالب بوقف النار والتركيز على حرمة المدارس، فمسؤولية رفاهية الأطفال وحقهم بالتعلم بلا خوف من مسؤولية كل معلم ومعلمة في هذا العالم، معبرين عن أسفهم من وزيرة التعليم النائبة جيليان كيغان التي لم تصوت لوقف فوري لإطلاق النار في 25 نوفمبر/تشرين الثاني، فهذا ليس مجرد ضرورة دبلوماسية بل هو واجب أخلاقي.

على الجانب الآخر كان هناك لوحات مختلفة للتعبير عن نصرة فلسطين بكافة الأشكال حتى الصامتة منها، فـ "هوما البريطانية" من أصول إيرانية، ومنذ أكثر من مئة وخمسين يومًا وبشكل يومي ملتزمة من الساعة الثالثة عصرًا إلى الرابعة بالتوجه لمقر مجلس البلدية المحلي مستعينة بكرسي متحرك لترفع العلم الفلسطيني هناك في مشهد أيقوني مبهر، يرسل رسالة تحدٍّ صارخة ضد العجز والتخاذل والتقاعس عن نصرة الحق ما أغاظ المارة المناصرين للاحتلال، الذين أصبحوا يشكلون تهديدًا على  هذه السيدة المسنة، وقد طلبت على إثرها النجدة من الشرطة التي لم تستجب لاستغاثاتها، بل طلبت منها الكفّ عن رفع العلم.

هؤلاء هم عرب ومسلمو المهجر، في تجلٍّ نضالي عالٍ، لا يقل أبدًا عن ذلك الذي يخوضه أهلهم في فلسطين، فلولا كل هؤلاء لظلت فلسطين وراء البحر، منطقة مجهولة لا مكان لها على الخارطة أو في الذاكرة.. عرب المهجر هم فعليًا جبهة أمامية، إنهم مفتاح العودة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.