شعار قسم مدونات

هل تعرفون قصة الرجل الذي شتم الحب؟

Portrait of a candid senior couple enjoying their retirement; Shutterstock ID 125614685; purchase_order: aljazeera ; job: ; client: ; other:
كثير من الشعراء والفنانين تغنوا بالرحلة المشتركة بين الزوجين حتى نهاية الطريق (شترستوك)

مذ جلس معنا في هذا المقهى وهو صامت، يسرح بعينيه غارقًا في عالم موازٍ خاص به، ثم ما يلبث أن يعود إلى عالمنا الفاني مرددًا دعاءه الذي عرّضه لسخرية رفقاء طاولة المقهى: "لعنة الله على الحب"!

"ماذا جرى لك؟"، نسائله فيأبى الجواب، فهو يعلم يقينًا أن جوابه -أيًا كان- سيجعله فريسة سهلة على مائدة سخرية هؤلاء الأشرار المتعطشين لنهش قصته، لذلك هو يرفض -لأجَل ظنّه غير مسمّى- الدخول في التفاصيل، أما الأشرار فقد أصبح كشف سرّ هذا الدعاء العجيب بالنسبة لهم قضية وجودية: "نكون أو لا نكون".

كان أهون عليه أن يصمت، فلا يفضح ما في قلبه بدعائه الغريب، لكن يبدو أن القلب امتلأ ففاض بالدعاء اللسانُ.

الحب ذلك الشعور الجميل الذي ألهم الشعراء والفنانين، ها هو يذوق من سياط اللعنات ما لذ وطاب في هذه الأمسية الحارقة.

التفّ الأشرار حول صديقهم يحاولون سبر أغواره، وبدا هو كالخروف وسط الذئاب، يريد أن يتفلت فلا يستطيع، وفي نفس الوقت يريد أن يفضفض لكن ليس إلى ذئاب!

أخيرًا، وبعد طمأنات ومناشدات، وأخْذ عهود ومواثيق على الذئاب، انطلق وتحدث..

العلاقات بين الرجل والمرأة المصدر: لبيب
المقبلون على الزواج في سن متأخرة أكثر من يتعرضون لاختبار الصدام مع الزمن (الذكاء الاصطناعي)

صدمة أول لقاء مع الزمن

هذا الصديق الذي فضل عدم ذكر حتى اسمه المستعار، لنقل إنه مستثمر ناجح، ولديه شركة تحقق أرباحًا معقولة، وقبل شهور وقع في غرام آنسة جميلة، تخرّجت لتوها في جامعة مرموقة في الدار البيضاء.

بعد تفكير واستشارات استمرت أسابيع، تقدم لخِطبتها، وقد سلبت عقله وقلبه، لكن المفاجأة أن الرجل خرج من اللقاء مثلما دخل: فلم يُقبل ولم يُرفض!

هذا الصديق اقترب من عامه الـ50، وهذا كان أول ما أثار استغراب البنتِ وأبيها وأسرتها، وتساؤلاتهم المحرجة، وانفض اللقاء على أمل أن يتكرر لاحقًا، دون قبول واضح أو رفض بيّن.

ومنذئذ "ابتدا المشوار" -والخوف كما غنى العندليب من "آخر المشوار- الذي وصل حتى الآن إلى لعن الحب نفسه بشحمه ولحمه.

لقد عاش هذا الصديق صدمة اللقاء الأول مع الزمن. ظل لسنوات غارقًا في عمله، يحقق نجاحات تلو نجاحات، لا يكاد يرى غير أقرانه، وداخل الحِمى كان يعيش أيامه ولياليه بهدوء مستمتعًا باللحظة، وبالنجاحات، ولم يدرك أن الأعوام تنسلّ من بين يديه في صمت.

لكن ما إن علقَ في حبال الحب، وردد مع جميل قوله: "صادَت فُؤادي يا بُثَينَ حِبالُكُم .. يَومَ الحَجونِ وَأَخطَأَتكِ حَبائِلي"، حتى وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الزمن، وكأنه انتبه لتوه أنه كبر!

وفي حضرة الأب سُئل "ما الذي أخرك لحد الآن عن قطار الزواج؟"، فردد بلسان الحال مع ذلك العجوز المصري -في فيلم من زمن الأبيض والأسود- جوابَه وقد طرح عليه نفس السؤال: "كنت بكوّن نفسي"!

ناظم الغزالي
المطرب العراقي الراحل ناظم الغزالي (مواقع التواصل)

عيّروني بالشيب

الخليفة العباسي المستنجد بالله لم يسلم هو أيضًا من لحظة الاختبار مع الزمن، عندما عُيّر بالشيب، فلم ينفعه لا الجند ولا العَسَس ولا الجاه ولا المال في إيجاد مخرج من هذا الاختبار، فالتجأ إلى الشعر وأخبر تلك التي عيّرته بالشيب أنه وقار، وأن الليالي الظلماء تزينها الأقمار، وظن -وظننا معه- أنه نجح في الفرار من المأزِق بأبيات الشعر تلك.

بعد قرون، جاء ناظم الغزالي من بلاد الرافدين، وتغنى بالبيت الشهير، لكن الانتقام من تلك التي عيّرت بالشيب لم يتوقف عند الحد الذي رسمه الخليفة الذي عمّر في السلطة 25 عامًا، بل تابع مبديًا تعجبه من تلك التي عيّرت بالشيب معتبرة أنه عار، وهو مجرد لمسة بريشة زمن لا يستثني منها لا ذكرًا ولا أنثى، وذكّر تلك الحبيبة الظالمة في مواله الشهير أن الحل الطبيعي بحسب قانون الحياة أن "اثنيننا نشيب سوا"، وليس أن يعير بعضنا بعضًا.

"نشيب معًا حتى نصل إلى سن التقاعد؟"، ربما ذلك يريح قليلًا الكاتب الكوميدي الفرنسي الشهير جان شارل (1922-2003) الذي لطالما سخر من الزمن ومن لحظات الاصطدام معه، فقال والمناسبة شرط: "العصور الثلاثة الكبرى للإنسانية هي العصر الحجري، والعصر البرونزي وعصر التقاعد". وفي أحسن الأحوال، عصر التقاعد بما يعنيه من سفر وسياحة مع رفيقة العمر في مناكب الأرض.

ويهز فرانز كافكا -صاحب "القضية"- رأسه موافقًا، ويذكرّ مرة أخرى أن "السعادة تقضي على الشيخوخة"، والمهم أن تعيش سعيدًا بغض النظر عن المرحلة العمرية التي قدر الله لك الوصول إليها.

ويبدو أن شارلي شابلن ورفيقة دربه استمعا للنصيحة واستوعباها، فعندما عرض الزواج على أوانا أونيل كان عمره 53 عامًا، وهي 18 عامًا فقط، وخاطبها حينها قائلًا: "وافقي على زواجي منك وسأحرص على أن أعلمك كيف تعيشين، وبالمقابل، علميني كيف أموت مرتاحًا".

فما كان من تلك الآنسة الحكيمة إلا أن ردّت: "لا يا شارلي، سأتزوجك لكي تعلمني كيف أنضج وأكبر، وبالمقابل سأعلمك كيف تبقى صغيرًا للأبد".

وكذلك كان، فقد عاشا معًا لنحو 34 عامًا، ورزقهما الله بثمانية أطفال!

French singer Charles Aznavour performs during the Beitiddine International Festival in Beitiddine ,Lebanon July 9,2009. REUTERS/Jamal Saidi (LEBANON ENTERTAINMENT)
المطرب الفرنسي الراحل شارل أزنافور (رويترز)

حتى نهاية الطريق

وفي إحدى أغانيه الجميلة، حرص المطرب الكندي الراحل ليونارد كوهين على التأكيد أن لحظة الاختبار مع الزمن لا معنى لها، ما دامت السعادة مضمونة. وبالنسبة له، السعادة بين زوجين هي حياة راقصة مستمرة، تميل مع ظروف الحياة في لحظاتها الجميلة والصعبة، صعودًا ونزولًا، حتى نهاية الطريق، أو "نهاية الحب" بتعبيره، وذلك هو الأهمّ.

ومن نعم الله على المسلمين، أن الحياة الدنيا مجرد محطّة تنتهي مع بداية محطة الخلود، لكن كم عدد الذين يأملون أن يواصلوا الرحلة معًا هناك؟

ولنبقَ في هذا الرقي ولا ننزل إلى من جعلوا من البلادة عادة، وغطوا النزوات بطبقة رقيقة من الشرعنة السطحية الخالية من المشاعر النبيلة، وهم في ذلك لا يكادون يختلفون عمن فكّوا كل الضوابط، وفتحوا كل الأبواب أمام النزوات: كلاهما وجهان لعملة واحدة بئيسة.

لنعدْ إلى "فوق"، وهذه المرة إلى شارل أزنافور، هذا الشاعر والمطرب الفرنسي الرقيق (من أصول أرمينية) الذي عاش لحظة الاختبار مع الزمن بطريقة مختلفة قليلًا.

في أغنيته الشهيرة "بالأمس فقط"، يقول:

"بالأمس فقط، كنت في العشرين من عمري،
كنت أضيع الوقت
ظنًا مني أني أوقفه،
ولأجل الإمساك به، أو حتى الفوز عليه في السباق
كل ما استطعت فعله هو أن أجري
لكن تقطعت أنفاسي".

ولا يكتفي أزنافور بالاعتراف بفشله في هذا السباق الأبدي، بل يؤكد أن الزمن رسم علامة انتصاره على جبينه بريشته القاسية – كما يفعلها مع الجميع- وترك المغني وحيدًا وسط الفراغ مع التجاعيد، يسأل كيف ضاع كل هذا الوقت، وأين ذهب الأحباب والأصدقاء:

"جمدت ابتساماتي
وجمدت دموعي
أين هي الآن؟ نعم الآن
أعوامي العشرون؟".

ATTENTION EDITORS - EMBARGOED TO 0300 GMT APRIL 19, 2021 Alan Jackson performs at the Ryman April 15, 2021, for a taped appearance on the 56th Academy of Country Music Awards show in Nashville, Tennessee, U.S. to be aired on April 18, 2021. Picture taken April 15, 2021. REUTERS/Harrison McClary
الفنان الأميركي آلان جاكسون (رويترز)

لا شيخوخة مع الحياة

أما بالنسبة للفنان الأميركي آلان جاكسون، فقد خص – في قصيدة رقيقة شهيرة – لحظة الاختبار مع الزمن بوقفة خاصة، وأورد بالقصيدة معانيَ جميلة، تستحق أن نقف عندها متأملين.

يقول جاكسون:
"كلما تقدمت في العمر
فكّرت أكثر
لديك دقيقة واحدة فقط، من الأفضل أن تعيشها
لأنها سترحل في لمح البصر".

نعم، العمر دقيقة تنقضي في لمح البصر، فمن الأفضل أن تعيشها سعيدًا بكل مشاعرك وأحاسيسك مع من تحب، بغض النظر عن التفاصيل والقيود التي تكبل عقول الناس وقلوبهم.

وهذه هي خلطة السعادة بحسب جاكسون:

"وكلما تقدمت في العمر
الحقيقة أن العيش برفقة الأشخاص الذين تحبهم،
وليس المال ولا الأشياء،
هو ما يجعلك غنيًا".

وطالما وجدت السعادة مع القيم الحقيقية التي تحيط بك من كل جانب، فلا يهم أن تتقدم في العمر، مثلما لا يهم أن تجد عين الماء السحرية الأسطورية التي تعيد لك الشباب إن شربت منها:

"وإذا وجدوا ينبوع الشباب
لن أشرب منه قطرة واحدة، وهذه هي الحقيقة،
وكلما تقدمت في العمر
شعرت بالامتنان أكثر
من أجل الحياة التي عشتها
وكل الحياة التي مازلت أعيشها".

فيلم آب للرسوم المتحركة الذي صدر عام 2009 (UP) من الموقع الرسمي - ديزني
فيلم آب للرسوم المتحركة الذي صدر عام 2009 (من موقع ديزني الرسمي)

وهذا هو الأهم، بحسب خلاصة جاكسون، الذي له أيضًا أغنية رقيقة شهيرة ظهرت في فيلم الرسوم المتحركة "آب"، مع قصة العجوز التي توفيت رفيقة دربه بعد رحلة طويلة معًا، وبقي يعيش على ذكراها رافضًا أن يتخلى عن كل ما يربطه بها من ذكريات.

ومن أجمل ما ورد في تلك الأغنية:

"تذكرين
عندما كنت صغيرًا وكذلك أنت
توقف الزمن وكان الحب هو كل ما نعرفه
كنت أنت الأولى، وكذلك كنتُ
تذكرين
عندما مات الكبار وولد الصغار
وتغيرت الحياة، وتفككت،
ثم تجمعت من جديد
لقد اجتمعنا معًا، وافترقنا
وكسرنا قلوب بعضنا البعض
تذكرين متى؟"..

صورة الكاتبة الأسترالية: bronnie ware من منصة انستجرام - @bronnie.ware
الكاتبة بروني وير أثارت ضجة بكتابها حول الأشياء التي ندم عليها المحتضرون (مواقع التواصل)

على ماذا يندم الإنسان؟

وتبقى القصص والحكايات التي أوردتها الكاتبة الأسترالية بروني وير في كتابها الذي بلغت شهرته الآفاق "الأشياء الخمسة التي يندم عليها المحتضرون"، أحد أكثر التعابير صدقًا عن الإدراك الحقيقي للزمن، وإن كان مع الأسف بعد فوات الأوان.

هؤلاء، وفي الفترات الأخيرة من حياتهم، استوعبوا الدرس، والغريب أن كل ما ندموا عليه لا علاقة له بما يكرس أحدنا حياته له.

بعضهم تمنى لو كانت لديهم الشجاعة ليعيشوا حياتهم بصدق كما يريدونها هم لا كما يتوقعها منهم الآخرون، والبعض تمنوا لو أنهم لم يغرقوا في العمل لدرجة الاستهلاك الكامل لعمرهم، وآخرون تمنوا لو كانت لديهم الشجاعة للتعبير عن مشاعرهم بصدق في المواقف التي تطلبت منهم ذلك.

أما آخرون فتمنوا لو بقوا على اتصال مستمر بأصدقائهم، فيما أمل البعض لو سمحوا لأنفسهم أن يكونوا أكثر سعادة، عبر التشبث بأسبابها الحقيقية.

الأسرة، والأصدقاء، والمشاعر الصادقة هي مفاتيح سعادة ندم على عدم الاهتمام بها المحتضرون الذين عاشت معهم بروني وير لحظاتهم الأخيرة على هذه الأرض، ودوّنتها في كتابها الجميل.

الشاعر أحمد مطر (مواقع التواصل)

طوى السندباد 30

وتستحق قصيدة "ثلاثون" لأحمد مطر وحدها أن يتوقف عندها المرء طويلًا، إذ أبدع في نحت معالم هذه العلاقة بين الإنسان والزمن، وتفاصيل لحظة الاختبار الصعبة القاسية.

يقول في تلك القصيدة البديعة:

"طَوى السِّندبادُ سُدولَ العُبابِ
وألقىَ عصا الرِّحلـةِ السّابعَـهْ
..
وَمازِلتُ أطوي سِنينَ الغِيابِ
فأزدادُ بُعْـدًا.. بقَـدْرِ اقترابي
كأنّي بِطَيّي لها
أنشُـرُ الأَشـرعَهْ!
ثَلاثـونَ عامًا
وَلَمْ أَطـرَحِ الأَمتِعَـهْ
ثَلاثـونَ عامًا وَراءَ السَّرابِ
اُمَنّـي لَهيبَ الظَّمـا بالشَّرابِ
وَكأسي لِـرَيِّ الوَرى مُترَعَـهْ!
ثَلاثـونَ..
أطـوى، وأقتاتُ جُوعـي
مُدافًا بأوهامِ شَـهْـدِ الرُّجوع
وَأُلقي على الدَّربِ غَضَّ الشَّبابِ
طَعاماً إلى الغُـربَةِ الجائِعَهْ!
..
ثَلاثـونَ.. ذَرَّيْـتُها كالتُّرابِ
فِداءً لِمَسرى خُطى الزَّوبعَـهْ
..
وَتَغـدو الثّلاثـونَ بَينَ المَنـونِ
كطَـرْفَةِ عَينٍ.. بِعَيْـنِ القُـرونِ
وَلكنَّ عُمْـري بِكُلِّ الدُّروبِ
ذَرَتْـهُ هَشيمًا يَـدُ الزَّوبَعَـهْ
فَمَـنْ لي بِعُمْـرٍ.. لِكَيْ أَجمعَـهْ؟

في أرض الله الواسعة، يصطدم كلّ إنسان بالزمن في لحظة معينة، فتختلف طبيعة الرد، بين من يعاتب، ومن يتغنى، ومن يبادر، ومن يتأمل، ومن يوبخ.

بمناسبة التوبيخ، ربما تسألون عن قصة الصديق العزيز.. أولًا وبحسب مصدر غير مطلع وغير موثوق، لقد قرأ هذه الكلمات وأذن بنشرها مشددًا على عدم ذكر حتى اسمه المستعار. ثانيًا: سيلتقي أباها مع بداية الخريف ويحاول إقناعه، ويسألكم الدعاء.. فالخريف في بعض الأحيان قد يكون بدايةً لربيع جميل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.