شعار قسم مدونات

رسالة إلى أحفادي من الجيل الخامس!

HONG KONG, CHINA - 2022/09/19: A pedestrian using a phone walks past the Xiaomi Mi 12 5G smartphone advertisement at its flagship store in Hong Kong. (Photo by Sebastian Ng/SOPA Images/LightRocket via Getty Images)
نقف الآن على حافة جبال التكنولوجيا بمزلجة نهوي بسرعة إلى الأرض (غيتي)

لا أعرف كيف سيبدو عصركم الآن، ولكنّه يشغلني بشدّة..

تارة أتخيل أنكم روبوتات بهيئة بشرية، وتارة أراكم تلتقطون أنفاسكم بعد هروبكم، راكضين من خارج كهفٍ مظلم.

حقيقة لا أعلم لِمَ يشغلني الأمر، ولكن هذا هو طبع الإنسان دائمًا، لا يعيش حاضره، بل يجترّ وراءه ماضيه، وهو مُثقل بهموم المستقبل التي قطعًا لن يعيشها أصلًا.

 

قبل 100 عام من عمري الآن تخيلَ أجدادي أنّنا سنصاحب الكائنات الفضائية، ونتزوج من المريخ.. ننظر إلى الأعلى لنرى الطائرات تحلّق فوقنا دائمًا، ونذهب في رحلات إلى الفضاء من مواقف الحافلات بوسط المدينة!

حاول بعضنا التحرر من ثالوث الماضي، والحاضر، والمُستقبل، لكن دون جدوى، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش عبدًا لهذا الثالوث.. في حين لا تعيش الكائنات الأخرى سوى الحاضر فقط.. فقط اللحظة، قد يكون ذلك سرّ سيادة الإنسان للأرض، ولكنه حتمًا سرّ معاناته أيضًا.

دعكم من تلك الفلسفة الآن، فقد جعلتني أعاني كثيرًا، أقول لكم دعكم من فلسفة الأمور الزائدةِ عن الحد!

قبل 100 عام من عمري الآن تخيلَ أجدادي أنّنا سنصاحب الكائنات الفضائية، ونتزوج من المريخ.. ننظر إلى الأعلى لنرى الطائرات تحلّق فوقنا دائمًا، ونذهب في رحلات إلى الفضاء من مواقف الحافلات بوسط المدينة!

وكان جدي الآخر يرى أنه لن يوجد أصلًا عام 2000؛ لأن البشرية الحمقاء ستفنى بلا شك، وها نحن الآن أحفادهم نعيش في الألفية الثالثة رغم تشاؤم الأجداد، ولكننا لم نصل أيضًا إلى رؤى المتفائلين منهم، ولم نعِرْ اهتمامًا أصلًا لرؤاهم بشأن مستقبلنا.

فما نفعُنا من إهدار وقتنا في سماع تنبؤات مستقبلية، إما سنعيشها بالفعل ونراها، أو لن تمر علينا من الأساس لأننا سنغادر قبلها؟

أحفادي، لا أعلم.. هل سيكون لديكم وقت لتقرؤوا هذا لو كنتم روبوتات بشريَّة بمخالب وجفون إضافية، أو لو كنتم تتحسسون كهفكم المظلم؟ ففي الحالتين وقتكم قد لا يتسع لترّهات الأجيال السابقة التي تسببت حتمًا فيما أنتم عليه الآن، ولكن الزمان قد دار كعادته، وأصبحنا نحن الأجداد، وأنتم المتذمرون منّا.

تحيطنا بلاد مُسوّرة برؤوس نوويّة وحُراسها مثل نيرون في زمانه -إن كنت قد سمعت به- وإن لم تسمع به، فهم يشبهون "ثانوس" إن كنت الآن روبوتًا، أو "الكراكن" إن كنت تستوطن كهفك

أحفادي، نحن الآن في عصر مجنون فيه الجميع مباح.. شهدنا شرارة الثورة التكنولوجية الأولى، وعشنا ما يسمونه الـpeak  التكنولوجي، ونقف الآن على حافة جبال التكنولوجيا بمزلجة، نهوي بسرعة إلى الأرض ونظنُّ أن سرعتنا ستقودنا حتمًا بالسرعة نفسها إلى قمّة الـ peak الأخرى التي تليها..

ولكن ماذا عن الثبات؟ لقد أصبح صعبًا جدًا، وقد تقول متأففًا إنّ هذا ديدن الأرض الذي لم يتغيّر منذ زمنه الأوّل حتى زمنكم، ولكنّي أشكو إليكم تأرجحنا العنيف بين الثبات في القمّة وسقوطنا في الهوة!

لن أطيل أكثر، ولكنّي من الفريق "غير المتفائل" في ملعب الأرض.

تحيطنا بلاد مُسوّرة برؤوس نوويّة وحُراسها مثل نيرون في زمانه -إن كنت قد سمعت به- وإن لم تسمع به، فهم يشبهون "ثانوس" إن كنت الآن روبوتًا، أو "الكراكن" إن كنت تستوطن كهفك.

يقتل البشر بعضهم، وهذا ليس بجديد علينا، ولكن في عصرنا، يقتل الإنسان وهو يرتدي حُلة شرفٍ شفافة، تبرز لباسه المُرصع بخيوط العار، والديمقراطية والزيف!

نحن نحاول أن نزرع في وعيهم الوازع الأخلاقي، ولكن لا أخفيك سرًا فإن الزارع أصلًا بذرته فاسدة على الأرجح

ولم نكتفِ بذلك، بل نصنع كائنات، ونخلق لهم وعيًا بشريًا، لينافسونا في احتلال أراضينا.

وللأمانة فنحن نحاول أن نزرع في وعيهم الوازع الأخلاقي، ولكن لا أخفيك سرًا فإن الزارع أصلًا بذرته فاسدة على الأرجح.

حفيدي الوحيد الذي صمدت لنهاية كلماتي، هل تقرأ كلماتي على شاشتك الخاصّة؟ أم عثرت على تدوينتي في باطن الأرض وأنت تحفر لتوقد النار؟

في كلّ الأحوال كتبتها لك: "وأتمنى أن تعرف يومًا مثلي، كم يشعر المرء بالراحة عندما يكون قد وقف على تفاهة كلّ النظريات البشريّة، وذاق مرارة الشهوات، وبعد مروره بكلّ عناء في هذه الدنيا ها هو أخيرًا يقترب من باب الحكمة، يقترب أخيرًا إلى أصل السعادة، التي لطالما يئس من وجودها".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.