شعار قسم مدونات

أميركا ونتنياهو وغانتس.. ماذا بعد؟

شكّلت الحفاوة التي استُقبل بها غانتس صفعةً قويةً لنتنياهو الذي أصبح على ما يبدو عبئًا على الإدارة الأميركية (مواقع التواصل الإجتماعي)

أعلن عضو مجلس الحرب الإسرائيلي بيني غانتس الأحد 9 يونيو/ حزيران الماضي استقالته من حكومة الطوارئ الإسرائيلية، داعيًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإجراء انتخابات بأسرع وقت ممكن، وقال: "نحن نترك حكومة الطوارئ اليوم بقلب مثقل، وقرار الخروج من الحكومة معقد ومؤلم".

"معقد ومؤلم"، ليس عبثيًّا اختياره لكلماته عند تقديمه الاستقالة، فبيانه المقتضب حمل الكثير من الدلالات؛ فعبارة الـ "معقد" لها أبعاد، وتحمل رسائل توضّح في باطنها نيّته من الاستقالة، ودلالات باتت تُقرأ، لا سيما مع تبني مجلس الأمن ليلة الإثنين 10 يونيو/ حزيران مشروع قرار صاغته واشنطن، ويدعو لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

كانت الصحف الإسرائيلية قد كشفت رفض نتنياهو منح زيارة غانتس إلى واشنطن "طابعًا" رسميًا، ولم يكتفِ بذلك، بل حاول تقويضها. لهذا لا ترتبط الاستقالة بالعملية العسكرية في قطاع غزة، بقدر ما تحمل رسائل سياسية في الداخل الإسرائيلي

انطلقت مسيرة غانتس السياسية في عام 2019 بهدف إزاحة نتنياهو، وبعد 5 سنوات على ذلك، يأمل غانتس، الذي حاول تقديم نفسه على أنه من الصقور سياسيًّا، الاستفادة من النقمة الشعبية على خلفية إخفاق نتنياهو في إعادة الرهائن المحتجزين في قطاع غزة منذ 9 أشهر بعد اندلاع الحرب مع حركة حماس.

لم يعد خافيًا طموح غانتس السياسي لتشكيل حالة جدية في إسرائيل، إذ قرأ كثير من المحللين السياسيين زيارته التي قام بها إلى واشنطن في مارس/ آذار الماضي، على أنها رسالة إلى نتنياهو تحمل الكثير من المنافسة التي تهدف للإطاحة به. لقد شكّلت الحفاوة التي استُقبل بها غانتس صفعةً قويةً لنتنياهو، الذي أصبح على ما يبدو عبئًا على الإدارة الأميركية.

هذا، وكانت الصحف الإسرائيلية قد كشفت رفض نتنياهو منح زيارة غانتس إلى واشنطن "طابعًا" رسميًا، ولم يكتفِ بذلك، بل حاول تقويضها. لهذا لا ترتبط الاستقالة بالعملية العسكرية في قطاع غزة، بقدر ما تحمل رسائل سياسية في الداخل الإسرائيلي، خصوصًا فيما يتعلّق بتحجيم نتنياهو، وفرملة حكومته المصغّرة التي يتّجه بها إلى جعلها مجموعة من المتطرفين اليهود، لاعتبارات تتعلّق بأهداف وغايات سياسية لنتنياهو بعيدًا عن السعي الجِدي لتحقيق الانتصار.

يسعى غانتس إلى تقديم نفسه أمام الإدارة الأميركية كحلّ وسطي، بين التطرّف اليهودي الذي يتمثل بحكومة نتنياهو، وبين المعارضة التي يقودها يائير لبيد؛ فهو يعمل على الاستفادة من تلك الخلافات التي أصبحت علنية، بين حكومة نتنياهو وبين إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، لا سيما بعدما قدّم الأخير مبادرته حول إنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي لم تلقَ الحماسة المطلوبة عند نتنياهو.

يرى نتنياهو أنّ إفشال مبادرة بايدن قد ينعكس سلبًا على نتائج الانتخابات، ويزيد من فرص وصول حليفه ترامب، وهذا ما أدركته دوائر القرار في واشنطن، فسارعت إلى فرض المبادرة حتى لو اضطرها الأمر للتفاوض مباشرة مع حماس

لم يكن خيارًا على ما يبدو ذهاب إدارة بايدن إلى مجلس الأمن، لطرح المبادرة والسير بها بموافقة وترحيب جميع الأطراف بمن فيهم حماس، في دلالة على وضع حكومة نتنياهو أمام الأمر الواقع. إذ بحسب غانتس فإن نتنياهو يتعمد المماطلة في موضوع وقف إطلاق النار، مؤكدًا ذلك في بيان استقالته، إذ صرّح بأن "رئيس الوزراء يحول دون تحقيق نصر حقيقي، وذلك لاعتبارات سياسية خاصة به"، لكنّ السؤال: ما هدف نتنياهو إذًا من إطالة الحرب في غزة؟

دخلت الإدارة الأميركية مرحلةً جديدةً من تقييم الحرب في غزة، فهي تجد أن الوقت قد حان للتوافق على مبادرة بايدن، لهذا كان لوزير خارجيته أنتوني بلينكن مجموعة من اللقاءات مع النافذين في منطقة الشرق الأوسط، على رأسهم قطر ومصر، بهدف التوسّط لوقف نزيف غزة. إذ يشعر الفريق السياسي الذي يدير حملة بايدن الانتخابية أنّ الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة فرض المبادرات في المنطقة؛ فالانتخابات الأميركية يقترب موعدها، وبايدن يسعى لاكتساب الرأي العام في أوساط الناخب الأميركي، بعدما أظهرت نتائج الاستطلاع خسارة الحزب الديمقراطي كثيرًا من الأصوات، نتيجة الدعم المطلق لحرب غزة.

كان عدم الانسجام بين بايدن ونتنياهو عنوانًا واضحًا للعلاقة بين الرجلين منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض؛ إذ لم تحمل العلاقة أي تطوّر لافت، باستثناء تلك الزيارة التي قام بها بايدن بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول دعمًا لإسرائيل، وليس لتحقيق مكاسب لحكومة نتنياهو. لكن الأمر قد يكون مختلفًا مقارنة مع ما يجمع نتنياهو مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب، حيث هناك رؤية مشتركة لاسيما فيما يتعلّق بالإستراتيجية الدولية، تحديدًا تجاه روسيا.

أتكون استقالة بيني غانتس الحافز نحو تسوية أميركية؟ أم ستعزّز استفراد اليمين المتطرف، لتتوسّع الحرب إلى المدى الإقليمي؟

يرى نتنياهو أنّ إفشال مبادرة بايدن قد ينعكس سلبًا على نتائج الانتخابات، ويزيد من فرص وصول حليفه ترامب، وهذا ما أدركته دوائر القرار في واشنطن، فسارعت إلى فرض المبادرة حتى لو اضطرها الأمر للتفاوض مباشرة مع حماس. لا متّسع من الوقت أمام واشنطن في إعطاء نتنياهو المراوغة في ميدان الحرب، فهي التي تريد قطع الطريق أمام رئيس الحكومة، لهذا يعتبر البعض أن الطلب باستقالة غانتس في هذه المرحلة سيكون بمثابة توجيه إنذارٍ أخيرٍ إلى نتنياهو، بأن غانتس جاهز ليكون بديلًا على رأس الحكومة الإسرائيلية لليوم التالي بعد الحرب.

وجدت إدارة بايدن في استقالة غانتس رادعًا لنتنياهو للتفكير جديًا في الاندفاع نحو قبول التسوية المطروحة، لا سيما أن الاستمرار في الحرب على غزة قد يحمل غايات في نفس نتنياهو ترتبط بالتأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. هذا الأمر الذي تداركته إدارة بايدن، فقرّرت تضييق الخناق على حكومة نتنياهو وعرقلة مسار استمرارية الحرب. لهذا يجد البعض أن قرار الاستقالة في هذا التوقيت بالذات، يأتي انسجامًا مع مطالب الإدارة الأميركية، لوقف الحرب والتحضير أكثر للانتخابات الرئاسية الأميركية، ولإرضاء الناخب العربي، وذاك المناهض للحرب في الشرق الأوسط.

أفستكون استقالة بيني غانتس الحافز نحو تسوية أميركية؟ أم ستعزّز استفراد اليمين المتطرف، لتتوسّع الحرب إلى المدى الإقليمي؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.