شعار قسم مدونات

الوقاية من الانتحار.. سؤال وجواب (1)

Content about suicide and self-harm keeps appearing on social media.
يبدأ التفكير في الانتحار اختياريًا ثم ينتهي اضطراريًا إن لم يُعالج في الحال (غيتي)

في صباح أحد الأيام اتصلت سيدة بالقسم النفسي الذي أعمل به بهولندا، لتخبرنا بأنّ الطبيب النفسي قد انتحر! مرّت سنوات قليلة، ثم انتحر زميل في دورة المياه، وبعد مدة قصيرة ألقت زميلة بنفسها تحت عجلات القطار.. ثم اكتملت الصدمة بانتحار رئيس القسم، وهو الذي وضع برنامج الوقاية من الانتحار، وأشرف على دورات تكوينية بهذا الشأن! كنت واحدًا من الممرضين المعجبين به، فالرجل أخلاقه عالية، ومكانته العلمية مرموقة.. أنا أحترم العلماء حتى لو كانوا من غير جلدتي، وخارج ملتي.

في مقالتنا هذه نقف عند بعض النقاط المتعلقة بقضية الانتحار، متبعين أسلوب طرح السؤال، ثم تقديم الإجابة عنه.

معظم الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار يكونون مترددين حتى اللحظة الأخيرة بشأن الحياة أو الموت. وفي كثير من الأحيان، يعتمد السلوك الانتحاري على الرغبة في الهروب من الصعوبات والألم النفسيّ

  • س: هل التوعية الصحية وحدها تكفي للوقاية من السلوك الانتحاري؟

ج: المعرفة بخطورة الآفة وحدها لا تكفي؛ من المهم أن يتعرف الناس على عوامل الخطورة التي قد يتعرضون لها، مثل عواقب السلوك الاندفاعي، أو تأثير استعمال المخدرات على جوارح الإنسان وأفعاله. هذه المعلومات مهمة جدًا، لكن هناك أيضًا خطوة أخرى كبيرة يجب أن يتبعها الإنسان، وهي تعلم المهارات التي تساعده على ضبط نفسه، والتمكن من حل المشكلات، والاهتمام بتحسين نمط العيش.

  • س: هل يمكنك منع شخص ما من القيام بالسلوك الانتحاري؟

ج: نعم، معظم الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار يكونون مترددين حتى اللحظة الأخيرة بشأن الحياة أو الموت. وفي كثير من الأحيان، يعتمد السلوك الانتحاري على الرغبة في الهروب من الصعوبات والألم النفسي، لذلك من المهم أن يتلقى الشخص الانتحاري الدعم، لكي يدرك أن الألم والصعوبات يمكن حلهما، دون الحاجة إلى التفكير في الانتحار.

  • س: أنا موظف أحمل السلاح الوظيفي، وفي الوقت نفسه أعاني من فكرة انتحارية؛ هل بإمكاني العمل بشكل عادي؟

ج: نعم، من الممكن أن تمارس وظيفتك من دون خوف.. إذا كانت تلك الفكرة غير ملحة، تأتي لمدة قصيرة من الوقت ثم تختفي، وقد تعود مرات أخرى على فترات متقطعة، فإنه يمكن للشخص الاستمرار في أداء الأنشطة اليومية – مثل العمل والتسوق- بشكل طبيعي؛ إلا أن ذلك غالبًا ما يتطلب منه جهدًا، وطاقة سلبية أكبر بكثير من المعتاد، لأنه يفتقر في هذه الحالة إلى الشعور بالمتعة والرضا عن عمله.

من المهم أن تدرك أنك بحاجة إلى العلاج، حتى لو كنت لا تزال قادرًا على أداء وظيفتك، ولهذا فمن الحكمة أن تستشير طبيبًا نفسيًا ليساعدك على العثور على إستراتيجية علاج مناسبة

بعض الأشخاص يتمتعون بقدرة كبيرة على التكيف، تسمح لهم بمواصلة العمل على الرغم من معاناتهم من أفكار انتحارية.. في الواقع، إن الالتزامات اليومية، مثل: العمل، ورعاية الأسرة، والقيام بالمسؤوليات الأخرى، يمكن أن تجبر الإنسان على الاستمرار في الحياة، حيث يقوم أحيانًا بتطوير آليات لإخفاء أعراض الاضطرابات النفسية أو يتحكم فيها؛ ما يساعده على أداء وظيفته دون أي حرج.

ومع ذلك يجب التنبيه إلى أن قمع الأعراض السلبية باستمرار من أجل أداء الوظيفة؛ يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق الشديد، وإلى زيادة التوتر، وبالتالي إلى مزيد من التفكير في الانتحار.

من المهم إذن أن تدرك أنك بحاجة إلى العلاج، حتى لو كنت لا تزال قادرًا على أداء وظيفتك، ولهذا فمن الحكمة أن تستشير طبيبًا نفسيًا يساعدك على العثور على إستراتيجية علاج مناسبة؛ مثل العلاج النفسي، أو العلاج الدوائي، أو مزيج بين الاثنين معًا.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تعتني بنفسك جيدًا من خلال الحفاظ على العادات الصحية، مثل: ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، واتباع نظام غذائي صحي، والنوم الكافي، والحفاظ على علاقات أسرية متوازنة، والابتعاد عن استعمال المخدرات.. هذه الإرشادات لن تساعدك على أداء وظيفتك فحسب، بل ستساعدك أيضًا في العثور على السعادة والرضا في الحياة.

 

يمكن للأفكار السلبية أن تقلب حياتك رأسًا على عقب، وهي غالبًا ما تكون مزعجة، إذ تتطلب جزءًا كبيرًا من انتباهك وحذرك، لأنها تحدث مرارًا وتكرارًا، ولا تستطيع السيطرة عليها أو إيقافها

  • س: هل التفكير في الانتحار أمر اختياري أم اضطراري؟

ج: يبدأ التفكير في الانتحار اختياريًا ثم ينتهي اضطراريًا إن لم يُعالج في الحال.. في بداية الأمر يرجو الشخص الفكاك من معضلات لا يقدر على إيجاد حل لها، فيعتقد أن إنهاء حياته هو السبيل الوحيد لذلك، ثم يدرك مع مرور الوقت أن هذا الحل لن يزيده والمحيط الذي يعيش في فلكه إلا همًا وغمًا، فيمد النظر إلى البحث عن عوامل الوقاية، الشيء الذي يقوّي لديه المناعة النفسية ومن ثم تحصل الوقاية من الانتحار.

لكن إذا حدث العكس، وطغت عوامل الخطورة على عوامل الوقاية، فحينئذ تتعمق الهشاشة النفسية لدى الشخص. مثال على ذلك استعمال المخدِّرات في وقت تعاني فيه من صدمة نفسية؛ في هذه الحالة قد تستحوذ عليك أفكار سلبية تدفعك إلى الانتحار، فإذا لم تسارع إلى العلاج، تصير منقادًا لتلك الإفكار، لا تستطيع مقاومتها مهما بذلت من جهد.. أنت في هذه الحالة تسير باتجاه نفق مظلم.

يمكن للأفكار السلبية أن تقلب حياتك رأسًا على عقب، وهي غالبًا ما تكون مزعجة، إذ تتطلب جزءًا كبيرًا من انتباهك وحذرك، لأنها تحدث مرارًا وتكرارًا، ولا تستطيع السيطرة عليها أو إيقافها.

الأشخاص الذين يعانون من خواطر، أو صور، أو هلوسات من هذا القبيل؛ يدركون أن تلك الأفكار لا معنى لها على الإطلاق، ومع ذلك تصحبهم مشاعر شديدة من الخوف، أو الاشمئزاز، أو الشك. هذه الأفكار تستغرق الكثير من الوقت، قد يتسبب وجودها في حرمان المرء من النوم، وفي كثير من الأحوال يستحيل معها القيام بالأنشطة ذات الصلة بتحسين الحياة اليومية، والتي تشمل على سبيل المثال إعداد وجبات الطعام، والنظافة الشخصية، وتناول الأدوية.

يربط بعض الناس الانتحار بالمرض النفسي لاشتراكهما في العديد من عوامل الخطورة الشائعة؛ مثل الهشاشة النفسية، والتوتر، والقلق، والضغط الشديد

  • س : هل يفيد التخويف بالعقاب من الإقدام على الانتحار؟

ج: التخويف لا يجدي نفعًا.. قد يبدو من الحكمة تخويف الأطفال والشباب من بعض عوامل الخطورة؛ مثل استعمال المخدرات، والتمادي في بعض السلوكيات غير الأخلاقية كالتنمر المدرسي، والتحرش الجنسي؛ لكن ذلك لا ينطبق على الاضطرابات النفسية. إذا أراد شخص ما حماية نفسه من خطر الانتحار، يجب عليه أن يعرف كيفية القيام بذلك، ويكون واثقًا من أنه يستطيع فعل ذلك حقًا.

  • س: ما العلاقة بين الانتحار والمرض النفسي؟

ج: الانتحار ليس دائمًا نتيجة حتمية للمرض النفسي، ولكن هناك علاقة وثيقة بينهما، حيث يكون المرض النفسي عامل خطورة للانتحار. كما أن السلوك الانتحاري في حد ذاته ليس مرضًا نفسيًا، ولكن يمكن أن يكون وراءه اضطراب نفسي مثل الاكتئاب المزمن.

 

يمكن للتجارب السلبية التي تصاحب الحالات النفسية، مثل الانغلاق على الذات، والوصم، والعنف الأسري، والتمييز؛ أن تؤدي إلى نشوء الأفكار الانتحارية

يربط بعض الناس الانتحار بالمرض النفسي لاشتراكهما في العديد من عوامل الخطورة الشائعة؛ مثل الهشاشة النفسية، والتوتر، والقلق، والضغط الشديد. كما أن هناك ارتباطًا بين الاعتلال المشترك للاضطرابات النفسية المختلفة، وخطر الانتحار.

ومن المعلوم أن السلوك الانتحاري ينشأ كنتيجة مباشرة للتشوهات المعرفية؛ مثل: اضطرابات وتقلبات المزاج التي تؤدي إلى الهلوسة، أو مشاعر اليأس الشديد، أو تأثير تناول المنشطات العقلية. (للمزيد من المعلومات يرجى الاطلاع على كتاب: الوقاية من الانتحار رصد لعوامل الخطورة وعوامل الوقاية 50 حالة إكلينيكية).

يمكن للتجارب السلبية التي تصاحب الحالات النفسيّة، مثل: الانغلاق على الذات، والوصم، والعنف الأسري، والتمييز؛ أن تؤدي إلى نشوء الأفكار الانتحارية. والتوجيه المراد في هذا الشأن هو الإحاطة بمجموعة من المواقف، والسلوك، والمشاعر، والمعتقدات؛ التي تشوهت في أدمغة بعض الناس، فجعلتهم يفضلون مغادرة الحياة عن طريق الانتحار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.