شعار قسم مدونات

هزيمة عميقة و"انتصار عقيم"!

المقاومة الفلسطينية اشتبكت مع القوات الإسرائيلية بغزة من المسافة صفر (الأناضول)
المقاومة الفلسطينية تشتبك مع القوات الإسرائيلية في غزة من المسافة صفر (وكالة الأناضول)

بعد 9 أشهر من الحرب على غزة يتأكد عمق الهزيمة، وخلال ثمانية عقود ثبت عقم الانتصار لهذا الاحتلال، ليجد نفسه بعد تلك العقود في بيئة طاردة، وأرض لا يمكن أن تصبح الملاذ الآمن لمستوطنيه.

ونحن نعيش الأيام الأخيرة من الجولة الأولى لمعركة طوفان الأقصى، وفي خط دفاعها الأخير في رفح؛ حيث ينتهي العرض الدراماتيكي بـ"محرقة الخيام"، التي رأى الناس فيها الصور المباشرة لإحراق جثث الأطفال والنساء، والاحتلال في حالة من الهيجان، ولم يعد في حاجة إلى التحوط وإخفاء وحشيته.. إنها المحرقة الحقيقية التي لا تختلف فيها الروايات.

فكرة "عقم الانتصار" ظلت تلاحقه منذ بداية الاحتلال، رغم ما حققه قديمًا من انتصارات على الجيوش العربية، وفي مسار التسوية والتطبيع. وقد تنبه إلى ذلك المؤرخ الإسرائيلي "يعقوب تالمون" بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 73

أما عمق الهزيمة، فهو الشعور بالخسارة الكبيرة طويلة الأمد، والمهانة الشديدة في المعركة الوحيدة التي عرف الناس نتائجها من بدايتها، ووصفوها بالمصيدة الإستراتيجية، وعبر عنها البروفيسور "أفراهام شاما" في الأيام الأولى قائلًا: "بغض النظر عن الكيفية التي تتكشف بها حرب غزة، وما جرى وما يجري الآن، فقد خسرت إسرائيل فعلًا وانتصرت حماس".

وأما "عقم الانتصار"، فهو الحَمْل الكاذب، الذي افتضح وقد أطل عليه الشهر التاسع، والانتصار الوهمي الذي لم يحقق أيًّا من أهدافه المعلنة، عدا خنق الخدج في المستشفيات، وتجريف الموتى في المقابر، وحرق جثث الأطفال والنساء في الخيام.. وما زال يروج للدول الغربية بأنه في حرب مقدسة، يقودها "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم".

إن فكرة "عقم الانتصار" ظلت تلاحقه منذ بداية الاحتلال، رغم ما حققه قديمًا من انتصارات على الجيوش العربية، وفي مسار التسوية والتطبيع. وقد تنبه إلى ذلك المؤرخ الإسرائيلي "يعقوب تالمون" بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 73، ووصف الوضع حينها بـ"عقم الانتصار"، وفسّره بأن: "كل انتصار تحققه إسرائيل لا يضمن بقاءها بقدر ما يقربها من المصير المحتوم، وهو الانهيار".

استطاعت المقاومة أن تنقل القضية من دبلوماسية التسوية، إلى دبلوماسية المقاومة. وقد عبر الجنرال الإسرائيلي "عميت ياغور" عن ذلك، فقال: إن حماس نجحت في هندسة العقل العالمي، وخلقت "تسونامي" دوليًا حول البيانات الإحصائية القادمة من غزة

ويعتقد اليمين الإسرائيلي أن الحدث الكبير، الكفيل بتغيير الموقف لصالح الاحتلال جذريًا، هو توجيه ضربة واحدة لغزة ومحوها من الخريطة بإلقاء قنبلة نووية عليها، أو تهجير كل سكانها.

هذا الكيان الذي عاش بشعار "الجيش الذي لا يهزم"، وبثقافة الانتصار الدائم، التي كانت الأكسجين لاستمراره، يختنق اليوم بالدخان الذي غطى سماء غزة، ويحترق بالنار التي أحرقت جثث الأطفال في خيام رفح، وكانت الأكسجين الذي بعث الحياة في قضية فلسطين لتعيش في ضمير الإنسانية من جديد.

هندسة العقل الجمعي

لقد استطاعت المقاومة أن تنقل القضية من دبلوماسية التسوية، إلى دبلوماسية المقاومة. وقد عبر الجنرال الإسرائيلي "عميت ياغور" وعن ذلك، فقال: إن حماس نجحت في هندسة العقل العالمي، وخلقت "تسونامي" دوليًا حول البيانات الإحصائية القادمة من غزة. وإن مكتب "تنسيق الشؤون الإنسانية" في الأمم المتحدة يعتمد البيانات التي تنشرها مؤسسات حماس حول أعداد (القتلى) في غزة، خاصة النساء والأطفال".

أثبتت السنون أن هذه القصيدة الساخرة، ما هي إلا نسخة من الوضع الحقيقي، الذي حولت فيه المقاومة الجمرة الصغيرة إلى نار عظيمة، والحجر الصغير إلى صاروخ كبير لمقارعة الكيان المحتل

ما نشهده اليوم هو تسونامي شعبي من النخبة الغربية، التي تساند القضية الفلسطينية بوعي، وتسخر من ادعاء السامية؛ وتسونامي دولي يزايد على العرب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما جاء على لسان نائبة رئيس الوزراء الإسباني "يولاندا دياز"، التي وعدت بالحشد للاعتراف بدولة فلسطين، وختمت حديثها بعبارة: "تحرير فلسطين من النهر إلى البحر".

عندما تتحول الصهيونـية إلى نكتة

تلك الدعاية الإسرائيلية أصبحت محل سخرية، كما ذكر الدكتور "عبد الوهاب المسيري" في مقال له بهذا العنوان. هو يروي قصة عن قصيدة شاعر إسرائيلي يقول فيها: "في صالون تجلس فيه أسرة من 3 أشخاص: أب وأم وابن، ورابعهم جندي صهيوني، حين يندلع حريق خارج المنزل، لا تُلقي الأسرة ولا الجندي بالًا للحريق، بل يتحدثون عن برودة الوضع الذي يعتبرونه جيدًا، غير عابئين بالنار من حولهم، وحتى إن دخلت هذه الجمرات، فسيكون التعامل معها أمرًا سهلًا للغاية. ولكن الجمرات تحوَّلت بسرعة إلى نيران أكلت المنزل وسط ذهول الجميع".

وقد أثبتت السنون أن هذه القصيدة الساخرة، ما هي إلا نسخة من الوضع الحقيقي، الذي حولت فيه المقاومة الجمرة الصغيرة إلى نار عظيمة، والحجر الصغير إلى صاروخ كبير لمقارعة الكيان المحتل. وحولت طوفان الأقصى إلى تسونامي شعبي تقوده النخبة، ودبلوماسي من نوع جديد يقود المقاومة من أرض المعركة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.