شعار قسم مدونات

الرواية علاج للتغوّل العلمي

مبيعات الروايات الفرنسية . الجزيرة . نت
النظر إلى الروايات العلمية على أنها مجرد خيال علمي ينطوي على قدر كبير من الإجحاف (الجزيرة)

لعلّ الفن الروائي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وبواكير القرن الحالي، يشكّل واحدًا من أبرز أدوات نشر المعرفة العلمية، وجعلها جزءًا من الثقافة العامة؛ إذ قلّص بشكل ملحوظ الثغرة الفاصلة بين التخييل العلمي الروائي، والتطبيقات العلمية الميدانية، من خلال القصص الشيقة والشخصيات المثيرة.

يمكن للعلماء الوصول إلى جمهور أوسع وتبسيط الفِكَر المعقدة، ما يسهم في تعزيز الوعي العلمي والإلهام لدى القراء؛ ثم إن دمج العلم بالأدب ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة لتحقيق تواصل فعال بين العلماء والمجتمع، خاصة وقد باتت الاكتشافات الفيزيائية أشد إرباكًا وإبهارًا من أكثر الروايات العلمية تخييلًا.

 عندما نقرأ وفقًا لتوقعات مسبقة فنحن نهمّش عنصر المفاجأة بكلّ ما ينطوي عليه من إمكانات غير محسوبة، قد تدفعنا للاندهاش والمتعة

إن استخدام الرواية في نشر العلم ليس بالابتكار الجديد، إذ كانت القصص الأدبية على مر العصور وسيلة فعالة لنقل المعرفة والقيم، فكل رواية رصينة لا بدّ أن تكون وسيطًا معرفيًا، وبالتالي فهي تستلزم دون شكّ كاتبًا شغوفًا بالمعرفة ليلامس وترًا في قلب القارئ وعقله؛ وليتحقق ذلك لابدّ أن يكون القارئ منهومًا بالتعلم.

ولكن في الزمن الحديث، ومع التعقيد المتزايد في النظريات العلمية والتكنولوجيا كوسيلة للتعامل مع حُمم البركان المعرفي، لم تعد الروايات المعرفية مجرد بذخ، بل أصبحت حاجة ملحة ووسيلة تبسيطية لا بدّ منها، إذ تتيح للجماهير فهم هذه المعارف بشكل أعمق.

والنظر إلى الروايات العلمية على أنها مجرد رواية خيال علمي ينطوي على قدر كبير من الابتسار والإجحاف، وأظنّ أنّ الأصح هو وصفها بأنها رواية معرفية تتقنّع في إطار روائي تخييلي، ويمكن ملاحظة هذا الأمر بمعاينة المسحة الدرامية الشاخصة الجاذبة التي وسمت غالبيتها.

ومع تزايد الإصدارات الروائية العالمية ومشاربها، كانت حتمية القراءة المنتقاة؛ ففي النهاية لن نتمكن من قراءة كل إصدار حديث.. وهنا تأتي المقاربة الذاتية؛ فالبعض يكتفي بالمترجَم إلى العربية، لأن لا سبيل له إلى قراءة لغة سواها، والبعض يقرأ روايات بناء على إطراءات سابقة لنقاد مرموقين ومعروفين برفعة صنعتهم الأدبية، وآخرون يتابعون روايات لشيوعها وكثرة رواجها، وهناك قرّاء ممّن يتابعون أسماء بعينها لمعرفتهم بمكامن الإبداع في أعمالهم الروائية، وأحسب نفسي من هذا الصنف الأخير، وإن كنتُ أميل أحيانًا للأخذ برأي الصنف الأول؛ فإنني أرى أننا عندما نقرأ وفقًا لتوقعات مسبقة فنحن نهمّش عنصر المفاجأة بكلّ ما ينطوي عليه من إمكانات غير محسوبة، قد تدفعنا للاندهاش والمتعة.

في رواية "أليس في بلاد الكم"، يأخذ روبرت جيلمار القارئَ في رحلة عبر عالم ميكانيكا الكم، بطرق تجذب القارئ إلى أعماق هذا المجال الغامض والمعقد.. يستخدم جيلمار أسلوبًا سرديًّا بسيطًا، من خلال أمثلة توضيحية وتجارب مشهورة

أتابع أعمال كل من الروائيَّين دان براون وجوزيه رودريغيش دوس سانتوس بشغف كبير، وأحرص على ألا أفوّت شيئًا من أعمالهما، ولا أحسبها إلا تجربة رائعة تلك التي تتيحها رواياتهما، ومؤلفات غيرهما من الروائيين الذين أخذوا على عاتقهم نقل الأفكار والمفاهيم العلمية إلى جمهور واسع بطريقة مشوقة وسهلة الفهم، خاصة بجعلها مجانية متاحة للقراء على شبكة الإنترنت، وكم أتمنى أن تكون مجانيتها مسوّغًا يدفع أعدادًا متكاثرة من القرّاء لقراءتها، والاطلاع على أكثر المباحث العلمية تميزًا وغرابة في عصرنا هذا.

وأقصد بذلك مبحث "فيزياء الجسيمات"، الذي يعتبر من أبرز علوم العصر الحديث، والذي يقوده مركز البحث النووي بسويسرا (CERN)، والثورة غير المسبوقة لمبحث الاتصالات والمعلوماتية والتطبيقات الإلكترونية، والهندسة النانوية المصغرة، وعلم المواد المخلّقة صناعيًا؛ وكذا "ميكانيكا الكم"، الذي قاد إلى انعطافة ثورية على صعيد العلم والفكر والفلسفة.. وهي مجالات تُعد من أكثر الفروع العلمية إثارة وتعقيدًا.

وبفضل أسلوبهم القصصي، تمكن الكتّاب من تقديم هذه الموضوعات بطريقة تجعل القراء غير المتخصصين قادرين على فهمها والاستمتاع بها، ومواكبة السيل المتفجّر من المعلومات المستحدثة يوميًا؛ ففي رواية "أليس في بلاد الكم"، يأخذ روبرت جيلمار القارئَ في رحلة عبر عالم ميكانيكا الكم، بطرق تجذب القارئ إلى أعماق هذا المجال الغامض والمعقد.. يستخدم جيلمار أسلوبًا سرديًّا بسيطًا، من خلال أمثلة توضيحية وتجارب مشهورة، مثل تجربة الشق المزدوج وتجربة قطة شرودنغر؛ ويوضح جيلمار كيف أن الكيوبتات والتشابك الكمومي يمكن أن يكونا أسسًا لحوسبة كمومية جديدة، ما يبسط المفاهيم العلمية المعقدة ويجعلها في متناول الجميع.

يُدخل دان براون في رواياته عناصر من فيزياء الجسيمات والهندسة الإلكترونية، كما يظهر في "الرمز المفقود" و"الأصل".. فهو يمزج بين الحقائق العلمية والخيال الأدبي، ليخلق عوالم مشوقة

الكتاب ليس مجرد شرح نظري، بل هو رحلة خيالية في عالم الكم، ينطوي على فصول بعناوين درامية تسلب القارئ الشغوف: إلى داخل بلاد الكم، بنك هايزنبرغ، معهد الميكانيكا، مدرسة كوبنهاغن، أكاديمية فيرمي- بوز، الواقع الافتراضي، ذرّات في الخواء، قلعة رذرفورد، حفل الجسيمات التنكّري، ومدينة ألعاب الفيزياء التجريبية.. أليس (الكمومية) شبيهة بنظيرتها أليس التي ابتدعها الروائي لويس كارول (والذي كان ذا خبرة معمّقة بالرياضيات).

هي رواية أبطالُها الإلكترونات والنيوترونات والبروتونات والفوتونات والكواركات. تذهب "أليس" إلى بلادِ الكَم – التي هي نسخة جديدة تمامًا من بلاد العجائب، وحجمها أصغر من حجم ذرَّة- ويوضِّح كلُّ مَعلم ترتاده هناك جانبًا مختلفًا من نظريةِ الكَم؛ هناك تقابل "أليس" عددًا من الشخصياتِ الاستثنائية، التي تتعرف من خلالِها على مبدأ عدم اليقين، والدوالِّ المَوجيّة، ومبدأ باولي، وغيرها من المفاهيم المُحيِّرة، بتناولٍ جديد يجعلها جميعًا سهلة الاستيعاب.

على النهج نفسه، يُدخل دان براون في رواياته عناصر من فيزياء الجسيمات والهندسة الإلكترونية، كما يظهر في "الرمز المفقود" و"الأصل".. براون يمزج بين الحقائق العلمية والخيال الأدبي، ليخلق عوالم مشوقة تساعد القراء على استكشاف هذه المجالات دون أن يشعروا بالارتباك؛ وفي روايته "ملائكة وشياطين"، يقدم براون فيزياء الجسيمات بشكل مثير، حيث يتناول قصة تهريب مضاد المادة (Antimatter)، ما يدفع القارئ إلى الغوص في هذا المجال العلمي المعقد، بأسلوب سردي مشوق يبرز التحديات والمغامرات المرتبطة بهذا العلم.

وفي السياق ذاته، نجد جوزيه رودريغيش دوس سانتوس، الصحفي والروائي البرتغالي، يجمع بين مهاراته الصحفية والروائية ليقدم روايات تتعمق في العلوم بأسلوب قصصي مثير، وإن كان يسهب في شرح المعارف العلمية أكثر مما يفعل دان براون. في روايته "اليد الباطنية"، يتناول دوس سانتوس موضوع التطور البيولوجي والفيزياء الفلكية، حيث يمزج بين الحقائق العلمية والخيال، مشرّحًا المفاهيم العلمية بطريقة يمكن للقارئ العادي فهمها، دون فقدان عنصر التشويق والإثارة في حبكاته.

أشعر بنفسي ممتنة كثيرًا لهذا النوع من الروايات وكُتابها بمقدار امتناني للعلماء واكتشافاتهم، وأتمنى أن تلقى رواجًا أكثر في مجتمعاتنا العربية، سواء من قبل المتخصصين في المجال العلمي أو غيرهم، كفسحة للمتعة والتعلّم

في روايته "آلهة الكون"، يستكشف دوس سانتوس موضوعات مثل الانفجار العظيم ونظرية الأوتار، ويقدمها في إطار قصة مثيرة. وبفضل خلفيته الصحفية، يمتلك دوس سانتوس القدرة على تبسيط المفاهيم العلمية، وتقديمها بطريقة مثيرة للفضول.

إن ما يفعله روائيو الخيال العلمي في سلسلة كتبهم هو محاولة زحزحة عقل المرء، ودفعه لنقل مستوى تفكيره من المستويات السطحية الهشة العابرة إلى الآفاق العليا، التي قد تبدو غير منظورة أو غير ملموسة لكثيرين؛ ففهم الأساسيات هو أساس كل علم رصين، والخطوة الأولى الضرورية للمساهمة في الارتقاء الفكري والمجتمعي، وعدم الركون في زوايا اللامبالاة بعيدًا عن الثورات العلمية من حولنا.

أشعر بنفسي ممتنة كثيرًا لهذا النوع من الروايات وكُتابها بمقدار امتناني للعلماء واكتشافاتهم، وأتمنى أن تلقى رواجًا أكثر في مجتمعاتنا العربية، سواء من قبل المتخصصين في المجال العلمي أو غيرهم، كفسحة للمتعة والتعلّم، وتشغيل الحواس المعطّلة، وإلقاء نظرة على العوالم من حولنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.