بمجرد أن يأتي ذكر الصحة النفسية نربطه جميعًا بمواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها الكبير على صحتنا، من خلال حزمة المشاعر التي نمرّ بها ونحن نمسك هواتفنا ونتصفح بملء إرادتنا – وأحيانًا رغمًا عنا – ما تحمله لنا المنشورات المتباينة، وسلّة الرسائل وزوايا الأحداث من أخبار وتفاعلات.
ومعها تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد تطبيقات نستخدمها لنستفيد منها فحسب، إلى وسائل فرضت علينا أنماطًا من التعامل وأصنافًا من الصراعات التي ندخل حلبتها في كل يوم بهموم يومياتنا وانشغالاتنا، ونخرج منها محملين برزمة من القلق والاكتئاب والتوتر، معتقدين بأننا نملك ما يكفي من الشجاعة لنواجهها، وإذ بنا نبدو وكأننا نلعب "الغمّيضة".
كثيرًا ما نتمنى لو أننا من زمان كانت تكتب فيه الرسائل بخط اليد، ثم يحملها صاحبها بقلبه على جناح المحبة ليودعها صندوق بريد على لهفة، ويقف ليشاهدها وهي تسافر كل تلك المسافات، لتستقر بين يدي صاحبها
نختبئ وراء شاشاتنا، نخفي رغبتنا بالبقاء فيها، بينما نتمنى لو كان بإمكاننا العودة إلى زمنٍ لا يجدنا فيه أي أحد بنقرة، زمنٍ تسير أيامه بخطى أقل سرعة، تغدو فيه اللحظة مقدسة وكأنها صورة نحتفظ بها مزينة في إطار، ومعلقة على جدار، لا لحظة لمجرد ضغطة زر يزول تأثيرها بزوال الحدث.
ولكن، لحظة.. هل اختبرتم جمال الانتظار في زحمة هذا العالم السريع الذي يُدعى "مواقع التواصل"؟
قد يبدو للبعض أن ثمة تناقضًا بين كلمة الانتظار، التي دائمًا ما يشعر كثيرون بالامتعاض عند ذكرها، وبين ربطها بالجمال.. ولعل هذا التناقض من بين الأشياء التي أعطت التراسل البريدي ميزة متفرّدة، جعلتنا إلى الآن نتحسر؛ نحن الذين لم نعش ذاك الزمن في أيام مضت، كان التراسل البريدي فيها وسيلة التواصل الوحيدة بين الناس.
حتى إننا كثيرًا ما نتمنى لو أننا من زمان كانت تكتب فيه الرسائل بخط اليد، ثم يحملها صاحبها بقلبه على جناح المحبة ليودعها صندوق بريد على لهفة، ويقف ليشاهدها وهي تسافر كل تلك المسافات، لتستقر بين يدي صاحبها الذي يدرك تمامًا وزن الكلمة وقيمتها، وضريبة الصمت الذي يقتل المشاعر والوقت، ويسرق اللهفة.
يكفي أن تكتب عبارة "رسائل ورقية" حتى تقرأ الكثير من الكلمات التي يحنّ أصحابها إلى ذلك الزمان، والمصحوبة بالكثير من الأماني بأن نجد من يكتب لنا رسالة ورقية، أو من نكتب له حتى دون أن نتوقع إجابة سريعة، يعيدنا بها إلى وسيلة تواصل أقل توترًا وأكثر دفئًا، لا يكون شغل صاحبها الشاغل هو القلق، بل متى ستصل، وكيف ستكون مشاعر من سيقرؤها؟.. وسيلة لا تتوقف عن إدهاشك في كل مرة تمسك فيها الظرف لتفتحه، فتجد صعوبة في تخطّي جمال اهتمام من أرسلها بكل تفصيل.
ما زلت على يقين بأن الحب سيبقى بأفضل حال مادام ساعي البريد
لا يزال يعرف لبيوتنا طريقًا، ومادام الورق لا يزال حضن الرسائل الأبدي، وسأبقى أكرر دائمًا أن أجمل الرسائل تلك التي لم تصل بعد
مذ بدأت بعالم التراسل البريدي وأنا أذوق حلاوة الانتظار، انتظار رسالة ستأتي وإن كان ميعاد وصولها طويلًا.. لم يعد صندوق بريدي ميتًا سوى من الجرائد والمجلات أو الفواتير كما السابق، بل غدًا صندوقًا أفتحه بشوق لأستقبل رسالة أو بطاقة بريدية بشكل دوري.
مع الرسائل الورقية خلعت حذري عند باب الكلمات، وخوفي من أن ترتطم مشاعري بجدار، وكنت على يقين بأن من يكتب لي يريد أن يهديني دهشة من يدخل في ذاكرة الآخر ليفتش عن مساحة آمنة.
اليوم في عالم يعتبر المشاعر الإنسانية مجموعةً من الوجوه التعبيرية، أجدني أحتفي بجمال الرسائل التي تصل متأخرة، وتلك التي في طريقها إلى الوصول، لأنني أعلم كيف يحيك صاحبها كلماته كخيوط ألفة تنمو لتهزم تلك المسافات، وكيف يهندس أشياءه الصغيرة ليبني جسرًا من الذكرى.
وما زلت على يقين بأنّ الحب سيبقى بأفضل حال مادام ساعي البريد لا يزال يعرف لبيوتنا طريقًا، ومادام الورق لا يزال حضن الرسائل الأبدي، وسأبقى أكرر دائمًا أن أجمل الرسائل تلك التي لم تصل بعد..
فماذا لو تراسلنا؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

