شعار قسم مدونات

النقد وهُويتنا الحضارية!

blogs - النقد الأدبي
الأدب العربي من قديمه إلى حديثه يرتبط بغاية أخلاقية تربوية (غيتي إيميجز)

إن الناظر في الساحة النقدية المعاصرة ومناهجها الوافدة إلينا من أوروبا والغرب تتضح في ذهنه أسئلة كثيرة..

فأين النقد العربي الحديث، الذي ينبغي له أن يتعامل مع أدب عربي يوافق مزاجنا النفسي والفكري والاجتماعي؟ وما مدى قابلية ثقافتنا النقدية لهذه المناهج الحديثة؟ والسؤال الأهم: لماذا ينبغي أن يكون لدينا نقد خاص بنا؟ وأخيرًا، ما الحل الأمثل للخروج من هذه الإشكالية؟

الأدب العربي من قديمه إلى حديثه يرتبط بغاية أخلاقية تربوية، فلا نستطيع أن نؤمن كما آمنت البنيوية بـ"لا غائية الفن"، ولكن نأخذ منها -مثلًا- اهتمامها بالعلاقات النصية، لأن هذا ينفعنا في التحليل والتقويم

غياب النقد العربي في العصر الحديث

إن من سنة الحياة تقليد المغلوب للغالب، وإن الناظر إلى المدارس الشعرية التي نشأت في العصر الحديث يدرك أنها نتيجة تقليد غير واعٍ للمدارس الشعرية والنقدية الغربية، وهو تقليد يمس خصوصيتنا الحضارية.. فهذه المدارس، كالرومانتيكية والواقعية الماركسية والفرويدية، ومناهج الحداثة وما بعدها، بسياقها ونسقها تصدر عن رؤية شمولية للكون والحياة، وتنطلق من أصول فلسفية معينة. وأي الحضارة -باعتبارها أجوبة عن الأسئلة الكلية الكبرى- تختلف عن غيرها من الحضارات اختلافًا يرجع إلى تلك الأجوبة ذاتها.

فالرومانتيكية العربية مثلًا -وهي حركة متأثرة بالرومانتيكية الغربية- تؤمن بالمبادئ العلمانية الغربية، وتطالب الكُتاب بما ينسجم وتلك المبادئ؛ وكذلك فإن الواقعية الماركسية تفرض على الأدباء التزامًا معينًا، ينسجم مع فكرها المادي الجدلي؛ وهكذا حتى نصل إلى البنيوية الحديثة وما بعدها من المناهج النصية، التي اهتمت بشكلانية الأدب ملغية أي اعتبار للوظيفة التربوية الأخلاقية له، فضلًا عن القول بتعددية القراءات ولا نهائية الدلالة؛ أو أن المتلقي يخلق معنى النص، كما ذهب أصحاب نظرية التلقي، ومن هنا ندرك خطورة ألا يكون لأدبنا العربي نقد خاص به، يوجّهه إلى ما يتوافق مع المزاج العربي.

لا بد لنا من نقد عربي يستطيع أن يستفيد من هذه المناهج بشكل واعٍ ومتيقظ، فيأخذ منها ويرفض، ويعلل القبول والرفض؛ أما القبول فيعلله بأنه مرن قابل لأن ينفتح على الثقافات الأخرى ويفيد منها، وأما الرفض فبالبحث عن المنتج المرفوض

أيديولوجيا النقد

والمقصود بأيديولوجيا النقد ارتباطه برؤى فلسفية يصدر عنها، فيكون أحد مستوياتها، وهذا ما وضحتُه فيما سبق من الحديث عن الرومانتيكية والواقعية، وقد أكد هذا الارتباط كثير من المفكرين؛ يقول وهب أحمد رومية: "لقد استقر في النفوس منذ زمن، ونزل منها منزلة البديهيات، أن نقد الشعر عبث وتخليط لا جدوى منهما ما لم  يكن هذا النقد صادرًا عن رؤية شمولية للحياة، ومفاهيم محددة عن الإنسان".

وبغض النظر عن مدى صلاحية هذه المناهج، أو صلاحية بعضها لدراسة الأدب وتفسير الظاهرة الأدبية، فإن علينا أن نقرأها جيدًا قبل أن نتبناها أو نوافق عليها، أي أن نغربلها بغِربال القابلية الثقافية العربية، فنأخذ منها ما طرحته من فكر جديد ونضيفه إلى مخزوننا الثقافي شريطة أن يوافق ثقافتنا العربية التي صاغتها عوامل عديدة. ولتوضيح ذلك أضرب مثالًا تطبيقيًا لما ينبغي أن نأخذه وما ينبغي أن ندعه، فأقول: إن الأدب العربي من قديمه إلى حديثه يرتبط بغاية أخلاقية تربوية، فلا نستطيع أن نؤمن كما آمنت البنيوية بـ"لا غائية الفن"، ولكن نأخذ منها -مثلًا- اهتمامها بالعلاقات النصية، لأن هذا ينفعنا في التحليل والتقويم.

تأصيل المناهج والبحث عنها في التراث العربي

هناك محاولات تأصيل للمناهج الغربية، بحثت عن جذور لها في التراث العربي، إلا أنها – فيما أرى – انطلقت من نظرة دونية إزاء الذهنية الاستعلائية والمركزية الأوروبية، ما أدّى إلى نوع من نفي الابتكار الغربي والأصالة، وهذا ما لا نريده، بل ينبغي أن ننظر إليها بعين من يقر بالسبق الفكري، ونأخذ منها ما ينفعنا فعلًا.

وللخروج من هذه الإشكالية لا بد لنا من نقد عربي يستطيع أن يستفيد من هذه المناهج بشكل واعٍ ومتيقظ، فيأخذ منها ويرفض، ويعلل القبول والرفض؛ أما القبول فيعلله بأنه مرن قابل لأن ينفتح على الثقافات الأخرى ويفيد منها، وأما الرفض فبالبحث عن المنتج المرفوض.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.