يوميات حرب.. الخروج من الموت!

قصف مسجد مكتظ بالمصلين في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة
قصف متجدد في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة (الجزيرة)

إن المصائب لا تأتي فرادى.. هذا فعلًا ما يقع على أهلنا في غزة، تتعاظم وتتزايد المصائب والشدائد عليهم في هذه الحرب، بمجرد أن يخرج أحدنا من مصيبة، تقع عليه مصيبة أخرى، وما يكاد يلملم جراحه وألمه من جريمة ومجزرة صهيونية ارتكبت بحقه، حتى يتم ارتكاب جريمة ومجزرة أخرى.

ففي حدود الساعة 11 من مساء يوم 21/12/2023 تم استهداف منزل محمود المصري، زوج خالتي، بصاروخ من طائرة حربية، وكان يقيم فيه أيضًا خالي د. منير البرش، مدير عام وزارة الصحة، بسبب تدمير منزله.. توجهنا فورًا مع بعض الأقارب إلى المكان، حيث يبعد عنا حوالي 400 م، بالرغم من شدة الخوف، حيث تقوم قوات الاحتلال باستهداف أي شخص أو سيارة تتحرك ليلًا، حتى لو كانت سيارات إسعاف.

كنتُ بعيدًا عن مكان الاستهداف حوالي 200م، فهُرعت فورًا إلى مكان إقامتنا ووجدنا الدمار والخراب قد حل على المربع السكني، ورأينا عشرات جثث الشهداء متناثرة في المكان، وعشرات المصابين غارقين في دمائهم في الشوارع

وجدنا المنزل مدمّرًا بفعل الاستهداف، والمنازل المجاورة متضررة، وقمنا مع الجيران بإخراج ونقل المصابين وانتشال الشهداء من بين الدمار إلى النقطة الطبية التي تم إنشاؤها في مركز الإيواء (مدرسة جباليا للبنات) بسبب تدمير المستشفيات، ولقد تسبب هذا القصف بمجزرة راح ضحيتها حوالي عشرة شهداء، من بينهم بنت د. منير البرش، وأيضًا زوج خالتي محمود المصري وثلاثة من أبنائه، وأصيب العشرات.

وفي الصباح قمنا بمواراة جثامين الشهداء، ونقلنا المصابين من النقطة الطبية إلى دار الحجة.. وبمجرد أن انتهينا من لملمة ومداواة جراحنا، وفي حدود الساعة 9 من صباح يوم 22/12/2023، جرى استهداف منزل بسام البرش، بصاروخ من طائرة حربية، فتم تدمير ونسف المنزل بالكامل على رؤوس من فيه، وتسبب ذلك بدمار في المربع السكني بالكامل، بما فيه دار الحجة التي كنا نقيم فيها.

إعلان

كنتُ بعيدًا عن مكان الاستهداف حوالي 200م، فهُرعت فورًا إلى مكان إقامتنا ووجدنا الدمار والخراب قد حل على المربع السكني، ورأينا عشرات جثث الشهداء متناثرة في المكان، وعشرات المصابين غارقين في دمائهم في الشوارع المحيطة بالمنزل المستهدف والمنازل المجاورة له .

وأثناء تفقد مكان القصف والشهداء والجرحى، توجهت إلى المكان هلِعًا للبحث عن أولادي، قال لي ابن عمي إن ابنتي سعاد مصابة، وقام بنقلها إلى النقطة الطبية، توجهت مباشرة إلى هناك للاطمئنان على ابنتي، فوجدت النقطة الطبية تعج بالمواطنين، وهي في حالة فوضى يرثى لها، حيث إن جثث الشهداء ملقاة على الأرض.

أدى هذا القصف إلى استشهاد كل من كان في المنزل، وهم أسرة بسام البرش، حوالي 23 شخصًا

كان بعض الأطباء والممرضين يعملون على تضميد جراح المصابين بشكل مؤقت، وقام أحد الممرضين بعمل تنظيفات سريعة لجرح ابنتي وتضميده، وقال لي عملت ما أستطيع لوقف النزيف ولا أستطيع أكثر من ذلك. لهذا، وأيضًا خوفًا من اجتياح المنطقة، حيث إن قوات الاحتلال قريبة من وسط مدينة جباليا، قمت بحمل ابنتي وتوجهت بها إلى البيت حتى تتم معالجتها والعناية بها.

عند وصولي إلى مشارف البيت وجدت أن الأقارب أقاموا نقطة طبية ميدانية في منزل أبي خليل البرش لمعالجة المصابين.

قام كل من د. إياس والممرض. أيوب البرش بالكشف على جراح ابنتي، فكانت شظية في الفخذ الأيمن، دخلت من الخلف وخرجت من الأمام، وأحدثت جرحًا قطعيًّا بطول حوالي 15 سنتيمترًا؛ هذا بالإضافة إلى إصابة في الأصبعين الأوسط والبنصر ليدها اليمنى، وتهتك كامل لعقلة الأصبع الأوسط. وتم عمل اللازم كطوارئ، على أن نتابع بعد أن تضع الحرب أوزارها في المستشفى، أو بعد تحويلة طبية إلى خارج غزة .

أدى هذا القصف إلى استشهاد كل من كان في المنزل، وهم أسرة بسام البرش (حوالي 23 شخصًا، تم انتشال بعضهم من المكان، وبعضهم مازال تحت ركام وأنقاض المنزل)، وقد أصيب العشرات.

حتى تتصور كم كانت الحياة قاسية وصعبة في غزة، اعلم أن الذين كانوا يقومون بعمليات إنقاذ المصابين من مكان القصف، كانوا ينادون: "في ناس عايشة؟ في مصابين؟"..

وهنا يجب أن نشكر ونحيي الجنود المجهولين الذين يبادرون إلى إنشاء نقاط طبية ميدانية في كل حي ومنطقة لمواجهة أزمة تدمير المنظومة الصحية والإسعاف فور وقوع مجزرة، أو قصف، لتأمين إسعافات ميدانية وطارئة للمصابين.

وحتى تتصور كم كانت الحياة قاسية وصعبة في غزة، اعلم أن الذين كانوا يقومون بعمليات إنقاذ المصابين من مكان القصف، كانوا ينادون: "في ناس عايشة؟ في مصابين؟".. ينادون على أهل البيت بأسمائهم، وهذا ما حدث مع ابنتي سعاد، حيث مر عليها أكثر من شخص وهي ملقاة على الأرض وغارقة في دمائها معتقدين أنها استشهدت.

وفي حدود الساعة 11، عدنا بعدما انتهينا من إسعاف المصابين، وتمت إزالة الردم وآثار القصف وإصلاح وترميم المكان لإعادة تأهيله، حيث لا بديل عنه.

وللقصة بقية سنرويها إن كتب الله لنا العمر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان