وصفَ مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي العملية اليمنية التي استهدفت تل أبيب، الجمعة 19 يوليو/ تموز الجاري، بأنها "7 أكتوبر الدفاع الجوي الإسرائيلي"، وذلك بحسب ما نقلت "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية.
أعاد المسؤول التذكير بالحدث الذي هزّ إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى، التي نفّذتها حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وعلى المجال الجغرافي للحرب التي طالت أعمالها قطاع غزة من شماله وصولًا إلى رفح. ولكنّه أيضًا تحدّث عن حدث جديد لا يقلّ خطورة بالمنظور العسكري الإسرائيلي عن الحدث الأوّل.
الحدث الجديد هو قصف مسيّرة حوثية منطقةَ تل أبيب، إذ إنه لأول مرة يطول القصف الدائر منذ أكثر من 9 أشهر تل أبيب، ولكنه لفت إلى مجال جغرافي جديد سيكون جزءًا من الحرب الدائرة، وهي المنطقة برمّتها.. تناول المسؤول الإسرائيلي وصْف ما حدث مع المسيرة، ورأى أنه تراجع ردع إسرائيلي آخر بعد فشل الردع الأول بحماية المستوطنين عبر الجدار العازل، وهو إخفاق الردع الجوي بحماية الإسرائيليين.
باتت إسرائيل بعد هذا التاريخ مكشوفة من جميع الجهات، وخطر مهاجمتها أصبح كابوسًا يقلق الإسرائيلي في حياته اليومية، ويشكّل عبئًا على حكومته وجيشه في توفير الفرص لحمايته
هذا ما بات يضع المنطقة أمام سيناريو أكثر دراماتيكيةً وتخوفًا من انزلاق نحو حرب كبرى مدمرة، لا سيما بعد القصف المستجدّ لطائرات إسرائيلية من طراز "إف – 35″، منطقةَ الحديدة في اليمن، السبت 20 يوليو/ تموز، حيث استهدفت منشآت تكرير النفط في الميناء، وأوقعت قتلى وجرحى بحسب ما أعلنت جماعة الحوثي.
شكّل هجوم حماس الذي أطلقت عليه "طوفان الأقصى" نقطة تحوّل، وتأكيدًا على فشل الجيش الإسرائيلي بحماية أمن مواطنيه، حيث اعترف المتحدّث باسمه، دانيال هاغاري، بفشله في الدفاع عن الإسرائيليين خلال الهجوم؛ في حين أكّد وزير الثقافة، ميكي زوهار، أن إسرائيل فقدت القدرة على الردع.
وهذا ما وضع إسرائيل في حالة جنون.. وما الإبادات الإسرائيلية التي ترتكب بحقّ الفلسطينيين في القطاع إلا دليل على ذلك؛ وهكذا أخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خيار التصعيد والإجرام، في إطار التفتيش عن انتصار يُظهره أمام شعبه، الذي بدأ يفقد ثقته بدولته وبقدرتها على فرض الأمن.
إنّ نجاح اليمن في إطلاق المسيرة المتفجرة إلى وسط "تل أبيب" يعتبر فشلًا مدوّيًا لنظام الدفاع الجوي، ويمثل على ما يبدو نهاية عصر "السماء النظيفة" التي كانت تتغنى بها "إسرائيل" منذ تأسيس هذا الكيان؛ فتلك المسيرة المتفجرة خلطت الأوراق من جديد، وبطريقة يمكن أن تشير إلى دخول إسرائيل عصرًا، فيه يكون المستوطنون في كل مكان عرضة لهجوم جوي مفاجئ، لا يمكن منعه مسبقًا.
"7 أكتوبر" آخر -أو جديد- بالنسبة لإسرائيل، ولكن هذه المرة عن طريق خرق للردع الجوي، وتخطي الرادارات التي فشلت في كشف المسيّرة، أو إطلاق الإنذارات لتفادي وقوع ضحايا.. باتت إسرائيل بعد هذا التاريخ مكشوفة من جميع الجهات، وخطر مهاجمتها أصبح كابوسًا يقلق الإسرائيلي في حياته اليومية، ويشكّل عبئًا على حكومته وجيشه في توفير الفرص لحمايته. ولكن ماذا بعد نهاية عصر السماء الإسرائيلية النظيفة؟ هل ستبقى سماء المنطقة نظيفة أيضًا؟
سقطت كافة المعادلات في ضربة الميناء، ولاسيما مع إصرار الحوثي على مواصلة عملياته رغم القصف الإسرائيلي الأخير، وقد تأخذ المعادلة الجديدة "المصافي مقابل المصافي" مسارها، وعندها قد يُسقط الحوثي مسيّراته على مصافي نفط إسرائيلية
انتهى العصر الذي كانت فيه إسرائيل تتباهى بأن جيشها لا يهزم، فزمن الانتصارات لم يعد سردية تحتكرها الروايات الإسرائيلية، وذلك الفضاء لم يعد نظيفًا في منطقة الشرق الأوسط، حيث باتت الحرب تشهد تطورات دراماتيكية، وانزلاقها نحو حرب كبرى بات قاب قوسين أو أدنى، وإن تصريح وزير الخارجية الأميركية، أنتوني بلينكن، بشأن وصول إيران إلى القدرة على إنتاج مواد انشطارية بهدف صنع قنبلة نووية، و"خلال أسبوع أو اثنين"، مكررًا التزام الولايات المتحدة بمنع طهران من تحقيق ذلك.. هذا التصريح يفتح باب التساؤل حول سماء إيران والمحافظة على نظافتها، في حال تنفيذ عمليات مفاجئة قد تضرب مفاعلها النووي.
استباحت إسرائيل فضاءات عربية بعد قصفها ميناء الحديدة في اليمن، الأمر الذي فتح المجالات أمام صواريخ ومسيرات الحوثي لتسلك الفضاءات ذاتها فتطول كافة المناطق الإسرائيلية. وقد تعهّد المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين بـ"ردّ مؤثر" على الضربات الإسرائيلية، وقال العميد يحيى سريع، المتحدّث العسكري باسم الجماعة: "سنواصل عملياتنا المساندة لغزة مهما كانت النتائج، وإن الجماعة تعتبر كل دولة تُسقط مسيّراتها أو صواريخها هدفًا مشروعًا ضمن عملياتها".
سقطت كافة المعادلات في ضربة الميناء، ولاسيما مع إصرار الحوثي على مواصلة عملياته رغم القصف الإسرائيلي الأخير، وقد تأخذ المعادلة الجديدة "المصافي مقابل المصافي" مسارها، وعندها قد يُسقط الحوثي مسيّراته على مصافي نفط إسرائيلية وحقولها، وهي المعادلة التي كان متّفقًا عليها بين إسرائيل وحزب الله، الذي لم يستهدف إلى الآن حقل كاريش، رغم اهتزاز قواعد اللعبة بينهما، والقصف الذي طال المدنيين.
نحن أمام تطورَيْن أمنيَّيْن باتا يهدّدان بتلويث السماء النظيفة للمنطقة، الأول يرتبط بتوجيه الضربات لمصافٍ نفطية، لا سيما إسرائيلية، وسط حاجة غربية إلى مصادر الطاقة في ظلّ صراع الطاقة مع روسيا بعد حربها على أوكرانيا، ووسط تخوفات أميركية من أنّ حربًا كهذه قد تؤدي إلى رفع أسعار النفط والغاز على الساحة الدولية، والتطور الثاني الأخطر، الذي قد يأخذ المنطقة إلى سيناريو مختلف ومخيف، هو التهور الإسرائيلي في قصف الطائرات الإسرائيلية مفاعلات إيران النووية.
ضربة الحوثي والردّ الإسرائيلي أخذا المنطقة إلى مشهدية مختلفة، لا ترتبط بما يجري داخل القطاع بقدر ما ترسم عناوين جديدة لحرب قادمة، ستمتد نيرانها حتمًا إلى طهران، لأنها رُبطت من نيلها إلى فراتها بمصير التطورات الدولية
وعلى وقع هذين التطورَيْن قد تصبح كافة الأجواء غير نظيفة، وتطول الحرب دولًا جديدة في المنطقة، إذ قال وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، لـ"وول ستريت جورنال": إن الحرب الشاملة أصبحت وشيكة للغاية، وطريقة منعها هي الضغط على إيران.
ترزح المنطقة على وقع تطورات ميدانية سريعة ومتنقلة، وفي ضوء عالم يشهد نظامه "خربطات" في ظلّ إصرار روسي وصيني على تغييره، وسط تمسّك غربي بالحفاظ على إدارته عبر إدارة مؤسساته. لهذا باتت المنطقة خارج حسابات نتنياهو في الربح والخسارة، كما خرجت من يد حماس التي تنتظر لحظة إعلان النصر.
فضربة الحوثي والردّ الإسرائيلي أخذا المنطقة إلى مشهدية مختلفة، لا ترتبط بما يجري داخل القطاع بقدر ما ترسم عناوين جديدة لحرب قادمة، ستمتد نيرانها حتمًا إلى طهران، لأنها رُبطت من نيلها إلى فراتها بمصير التطورات الدولية، وعلى رأسها حرب أوكرانيا، والتوترات الحاصلة في بحر الصين الجنوبي، وما قد تأتي به انتخابات الرئاسة الأميركية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

