شعار قسم مدونات

إبادة الحياة في غزة.. جريمة بيئية مكتملة الأركان

كومبو للجامعة الإسلامية في غزة
مخاطر بيئية متمثلة في المخلفات الكيماوية والذخائر (مواقع التواصل الاجتماعي)

سكت الكلام، وآلة التدمير الشامل تكلّمت ولم تخرس.

9 أشهر من المجازر المنقولة على الهواء، والدعم المحمول جوًا وبحرًا للجاني، ليكمل فصول مسرحيته التراجيدية أمام أنظار عالم فقدَ الضمير. لم تُجْدِ صور البراءة الموؤودة، والأُسر المبادة، والمعالم المطموسة، والمدارس والمعابد والمستشفيات، والقرى المدمرة والمدن المنكوبة.

غزة تمحق أمام أعين وقحة، والإنسانية في سبات، وفي باقي الدنيا تستمر الحياة.. وبين الآهات والأنين ينبعث صوت محشرج: فظائع العدوان طالت الماء والزرع والحجر.

التقرير سيظل بلا قيمة، إذا لم يعقبه تعاون دولي للضغط على الاحتلال لتأمين إجراء تحقيقات ميدانية مدققة، لمعالجة الأثر البيئي للحرب على غزة، ومواجهة ضررها طويل المدى، بما في ذلك الجهد اللازم لضمان الاستدامة البيئية والتعافي وإعادة الإعمار

لا، ليست شعارًا في حملة، ولا صيحة موجوع من هول ما يجري في غزة، ولا زفرة أي من ضحايا الكارثة وشهودها.. إنها فحوى تقرير يصدر في غضون أيام عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في نيروبي، وعُرض جانب منه في اجتماع للجنة ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة، انعقد يوم الخميس 13 يونيو/ حزيران الجاري، وعرض سفير دولة فلسطين بالمناسبة لمحات من التقرير الأوّلي لتقييم الضرر البيئي الفادح، الذي خلّفته حرب إسرائيل على غزة.

فقد استجاب البرنامج لنداء فلسطين، وبادر لتوجيه فريق للتحقيق بشأن الانعكاسات البيئيّة على أنظمة غزة الحيوية، غيرَ أن الاحتلال امتنع عن منح أعضاء بعثة المنظمة التأشيرات، فاكتفت بإجراء التحقيقات الأولية عن بُعد من خلال مكاتبها في المنطقة. وتم في مرحلة أولى تقييم الضرر البيئي، وذكّر بما تضمنه التقرير من تقدير كميات الحطام الذي خلّفه العدوان في غزة والبالغ 26 مليون طن، وهو ضعف ما كان عليه في حلب بسوريا.

ويشير التقرير الأوّلي، الذي سيعمم لاحقًا الأسبوع القادم، إلى أهمية الأضرار البيئية المقدّرة بحوالي 411 مليون دولار أميركي، وهو حجم الأضرار في المنظومات البيئية وخدمات البيئة الحيوية. وتشير معطيات التقرير لأوجه من الدمار البيئي المتمثل في مختلف أوجه التلوث بأشكاله المختلفة، وما أحدثته من المخاطر البيئية، وخاصة المخلفات الكيماوية والذخائر، على كافة الأوساط البيئية والصحّة الإنسانية وتلويثها للموارد المائية.

ولا شك أنّ التقرير سيظلّ بلا قيمة، إذا لم يعقبه تعاون دولي للضغط على الاحتلال؛ لتأمين إجراء تحقيقات ميدانية مدقّقة، لمعالجة الأثر البيئي للحرب على غزة، ومواجهة ضررها طويل المدى، بما في ذلك الجهد اللازم لضمان الاستدامة البيئية والتعافي وإعادة الإعمار. واعتبر البعض أن التقرير الأوّلي لتقييم الدمار البيئي للحرب على غزة، يشكل مدخلًا مهمًا للتقييم الشامل، وذلك برغم العراقيل التي وضعها الاحتلال أمام وصول الخبراء لغزة لإجراء التقييم الدقيق والنهائي.

لو اتخذت غزة مثالًا ونموذجًا للكارثة البيئية لكانت الأكثر فصاحة، ولكفت الخبراء والناشطين البيئيين مؤونة الشرح والتبيان والاستدلال.. ولسان حال الشجر المباد، والزرع المحروق، والمياه الآسنة والهواء الخانق.. أليس فيكم بيئي رشيد؟!

حصل كل ذلك على امتداد أشهر طويلة، وشمل سحق البشر وطحن الحجر، وتلويث الأراضي والموارد المائية والأودية والشواطئ والحقول والهواء وغيرها؛ فقد كانت آلة الإبادة تستهدف كل كائن حي، ولم تستثنِ الطيور والجماد والمياه الجوفية، ومصادر الحياة البيولوجية المختلفة.

يصدر التقرير قبل أشهر من انعقاد ثلاثة من أكبر المحافل البيئية الدولية، وهي مؤتمرات الاتفاقيات الدولية الصادرة عن قمة ريو سنة 1992، حيث ستُعقد دورات جديدة لقمم مكافحة التصحر في السعودية، والتنوع البيولوجي في كولومبيا، وتغير المناخ في أذربيجان، والمتوقع إقامتها قبل نهاية السنة الحالية.

غزة تمثل بكل المقاييس نقطة ساخنة في كل أبعاد الأزمة والمخاطر البيئية متعددة الأبعاد، إذ تجمع بين أوجه التلوث بمستوياته القاتلة، وتراكم النفايات بأحجام مهولة، وفقدان التنوع البيولوجي بكافة أشكاله ومظاهره برًا وبحرًا، إضافة لما تدفع به العمليات الحربية المكثفة وآلاف أطنان الذخائر والقنابل من آثار سلبية على الاحترار وتغير المناخ.

ولو اتُّخذت غزة مثالًا ونموذجًا للكارثة البيئية لكانت الأكثر نطقًا وفصاحة، ولكفت الخبراء والناشطين البيئيين مؤونة الشرح والتبيان والاستدلال.. ولسان حال الشجر المباد، والزرع المحروق، والمياه الآسنة والهواء الخانق.. أليس فيكم بيئي رشيد؟!

تنحبس الأنفاس، والكل يتابع على المباشر – وبلا حراك – باقي مشاهد المذبحة البيئية المروعة. وفي غياب رادع دولي، ووازع بيئي، عاث الوحش في البيئة بلا حسيب ولا رقيب

هي حرب على البيئة، وجريمة انتهكت كل المواثيق والبروتوكولات، وابتكرت مستويات قياسية من الاستنزاف والإفساد المتعمد للتوازنات والأنظمة الإيكولوجية، يحق أن تحتشد من أجلها جموع أنصار القضية البيئية، وتلتفت لها غريتا ثونبرغ ومنظمة السلام الأخضر وسواهما لرفع العقيرة بصيحات الفزع والاستنكار لصدّ الجاني، ووقف الجريمة البيئية التي لا تعرف الحدود ولا تحمل -على حد تعبير كوفي أنان- جواز سفر.. ولكن هيهات!

كل مواثيق البيئة الدولية تُلزم بتتبع الملوث والعابث بالبيئة؛ ومن المفارقات أنه قبل عشرة أيام عقد خبراء القانون من دول العالم اجتماعًا فنيًا هامًا في مقر برنامج الأمم المتحدة للبيئة لمتابعة برنامج "مونتفيديو" بشأن علوية القوانين البيئية وإنفاذها.

تنحبس الأنفاس، والكل يتابع على المباشر – وبلا حراك – باقي مشاهد المذبحة البيئية المروعة. وفي غياب رادع دولي، ووازع بيئي، عاث الوحش في البيئة بلا حسيب ولا رقيب.

بعد حين ينجلي غبار الحرب، ويتأمل أحباء البيئة بأسى واحدةً من أبشع لوحات انتهاك البيئة واستباحتها في التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.