شعار قسم مدونات

والمرء لا تشقيه إلا نفسه!

لماذا يظل الإنسان صامتًا؟ لماذا يحمل الإنسان كل هذا التعب وحده؟ ولماذا يساء فهمه حين يقرّر الكلام؟ (بيكسلز)

قد يصبح الإنسان في حالة حرجة، لا تسعفه الكلمات، ولا يروق له ما يحدثُ، ولا يستطيع تفسيرَ ما يجري أمامه، فيسكت مكرهًا مجبرًا.

هناك صوت من الداخل يسمّى "الجلاد"، لا يجعلك تفكّر ولا يترك لك مجالًا للتصالح مع نفسك، بل يجعلك تخضع لكل سواد، ويدخلك في دُوامة ظلام لانهائي! وبداخلك أيضًا "ذات صالحة"، تواسي فيك قلبك المفطور وروحك المشتتة، وتخبرك بأنه في الأيام القادمة سيأتيك الفرج وستجد من الله المدد والعون.

رغم أن الحقيقة مريحة، لكنها مرة، وقد فاز من ابتلع المرارة وسمعها كما هي؛ بل وتقبلها دون تردد

لا ينسى الإنسان الكسر الأول، ولكنه يتجاوز ويكمل طريقه دون أن يبحث وراء سبب الكسر؛ فهو يدرك أن الأيام نفسها ستضعه مرة أخرى أمام عقبات تكسره مرّات.. وهذه هي الحياة! غير أنّ لكل كسر درسًا، وفي كل درس عبرة، وفي كل عبرة حكمة؛ وعندما يصل الإنسان إلى الحكمة يصبح في مناعة لا يعبأ بصروف الدهر، وتبدل الأيام.

إن إحساس الخوف الدائم من فكرة أن يكون لنا واقع مختلف، يجعلنا مفككين من الداخل ومن الخارج.. إنه شعور مختلط بين ما نريده وما نطلبه، شعور الخوف، حالة من الفراغ المقلق، حالة من الكرّ والفرّ، والكثير من اللاشيء.

رغم أنّ الحقيقة مريحة، لكنها مرّة، وقد فاز من ابتلع المرارة وسمعها كما هي؛ بل وتقبلها دون تردد.

لعل جميع الكلمات الخالية من الزركشة، التي تزدحم داخل الإنسان، فكّكت لحظة الصراحة التي نمتلكها، وجعلت منا أفرادًا نخاف الوقوف أمام المرآة؛ لكيلا نشاهد حقيقة أننا مجرّدون حرفيًا من كل هذه المثالية الخانقة، وأننا عبارة عن كومة أخطاء لا تنتهي أبدًا، وقد لا تتوقف.

نحن أمام ذات منسلخة، باردة.. ذات يملأ قلبها الفراغ والرهبة.

ألزم نفسي بالنوم! والمخيف أن ما أهرب منه أجده في أحلامي! ليتأكد لي ما اقتنعت به دومًا.. "الذكريات تقتل صاحبها"، فهل ستقتلني ذكرياتي؟!

لمرة واحدة أشعر بحريتي في الكتابة، أشعر وأشاهد في آنٍ أن شيئًا ما سيغير حياتي قريبًا ولا أعلم ما هو؛ ورغم ذلك خائفة من مجهول يحاصر فكري، ولا يترك لي خيارًا حقيقيًا، ولكن هأنذا أهرب من ذاتي إلى نفسي، بيد أنني وجدت نفسي عاجزة عن الهرب، تحاصرني الوجوه ذاتها، وتنهش روحي الخيبة.

غير أني أكتشف، وأنا التي أغمضت عيني مرارًا عن الواقع، أنني لا أستطيع تفسير ما يحدث لي بكل بساطة وسطحيّة، كنت أقنع نفسي أن كل هذا العبث سيمر كما مرّت عواصف أخرى؛ ولكني اليوم لا أمرّ ولا أقدر حتى على العبور ولا التركيز، بل ألزم نفسي بالنوم! والمخيف أن ما أهرب منه أجده في أحلامي! ليتأكد لي ما اقتنعت به دومًا.. "الذكريات تقتل صاحبها"، فهل ستقتلني ذكرياتي؟!

يومًا ما قرأت شيئًا لعبد الرحمن منيف في كتابه "الآن.. هنا"، يقول: "آن لي أن أتكلم، قد أخطئ، وقد يساء فهمي، وربما تدور حولي الظنون.. لا يهم، لم يعد هناك ما أحرص عليه، لم يبقَ لي شيء ولم يبقَ مني شيء؛ فلماذا أظل صامتًا؟".

لماذا يظل الإنسان صامتًا؟ لماذا يحمل الإنسان كل هذا التعب وحده؟ ولماذا يساء فهمه حين يقرر الكلام؟ ما الذي يريد الآخر سماعه ليرضى؟ لا أدري.

ألمٌ لا ينتهي ولا يتوقف، وكلام عالق في الحلق لا يخرج، قوة يدعيها الإنسان، ها هي تنهار رويدًا رويدًا، وأمام المرء اختيارات كثيرة قد نختار منها الأبشع! قد يقف الإنسان ليفكر أن يضع نهاية لألمه؛ لكنه يغلق عينيه ليرى أنه أجبن من أن يفعل فيزداد إحباطًا، وقد يكون هذا الانهيار الأخير.

رسائلنا التي لا تصل، وحدتنا البشعة، أرواحنا المرهقة، أحلامنا التي تبخرت، فِكرنا التي تخنقنا.. كل هذا خلق منك شخصًا آخر، مشوهًا، لا تستطيع التعرف عليه.

لتعلم أنّ المرء لا تشقيه إلا نفسه، لا تحمل كل هذا العبء على قلبك، نحن كلنا دون استثناء وسط هاوية كبيرة، ولن ينجو أحد بسهولة من سطوة هذه الحياة

أمام أنفسنا – بل أمام الله – الكل عار تمامًا، ولكل منا حقيقة مخفية؛ إذا واجهتنا يومًا ضربتنا في مقتل، وحين تظهر تلك الحقيقة أمام الناس، يصبح الكل "بريئًا"، أنت فقط المدان، وتنتظر العفو من الناس!

كيف تنتظر عفوًا من البشر الذين كانوا ينظرون إلى سقوطك ولم ينتشلك أحد؟! الحقيقة أنه لا أحدَ بريئًا ولا أحدَ كاملًا.

الجميل أن الله يعرفنا جيدًا، وأن حياتنا بيده وحده، وحين نقع في حفرة اليأس والاكتئاب يخبرنا: {لا تخف ولا تحزن إنا منجوك}.

لا حاجة لنا أن نخرج أمام الناس وندعي أننا بخير، ونحن نعيش أبشع مرحلة جعلتنا لا نعرف من أين نبدأ الكلام وأين ننهيه! ولا حاجة لنا أن نقول بصوت يكاد لا يسمع أننا أقوياء، ولا شيء يكسرنا ونحن لا نكاد نقف! لا حاجة للمثالية ما دمت تتألم بكل قوة.

ولتعلم أن المرء لا تشقيه إلا نفسه، لا تحمل كل هذا العبء على قلبك، نحن كلنا دون استثناء وسط هاوية كبيرة، وكل هذا الألم "ألم جماعي"، ولن ينجو أحد بسهولة من سطوة هذه الحياة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.