شعار قسم مدونات

"الملف 42".. رواية الفرضية الخطأ دومًا

غلاف رواية الملف 42
غلاف رواية "الملف 42" (الجزيرة)

"الملف 42″، رواية للكاتب المغربي الشاب عبد المجيد سباطة، من إصدارات المركز الثقافي العربي سنة 2019، وصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة "بوكر" العالميّة للرواية العربية سنة 2021.

تقع الرواية في 424 صفحة من قياس 14×21، مقسمة إلى 41 فصلًا، ليكون عنوان الرواية كاملة: (الملف 42)، يبدأ كل فصل بعنوانٍ لأحد الأعمال الروائية العالمية أو العربية، ومعه اقتباس لكاتب أو فيلسوف، يرى الكاتب أنه يدعم أو يعزّز فهم القارئ لأحداث الفصل.

الغلاف يُظهر صورة غير واضحة لآلة طابعة قديمة (مِرقنة)، ترتبط عادة بتحرير المحاضر في مخافر الشرطة، فوقها طابع أحمر يتوسطه عنوان الرواية، وفي أعلى الغلاف اسم الكاتب، وفي أسفله شريط أصفر كالذي يُستخدم عادة لتطويق أماكن الجرائم، كتب عليه اسم دار النشر.

يوحي الغلاف وعنوان الرواية بنهاية حل لغز من الألغاز، أو حسم في إحدى القضايا البوليسية الشائكة. وجاءت الخلفية باقتباس من الرواية، ونبذة موجزة عن الكاتب وأعماله.

تتزامن الرواية بين تاريخ 14 مايو/ أيار 2002، ويوم الخميس 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، مع عودة لأحداث الزيوت المسمومة أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، واختار الكاتب لأحداث روايته ثلاثة أمكنة رئيسية، تتفرع عنها أمكنة ثانوية، الرئيسية هي الولايات المتحدة الأميركية (مانهاتن، ولاية كولورادو)، وروسيا (موسكو، سيبيريا)، والمغرب (الرباط، الدار البيضاء).

 

يُحسب للكاتب اشتغاله روائيًا على أحداث واقعية كاقتحام عصابة شيشانية مسرحًا في موسكو (2002)، وكذلك على واقعة سوداء من تاريخ المغرب المستقل وهي واقعة الزيوت المسمومة (1959)

تبدأ الرواية هادئة بحديث الكاتب عن عدم قدرته على إتمامه مشروع روايته. وهي فكرة مُؤطرة لأحداث رئيسية في الرواية ستتكرر مرة مع كريستين ماكميلان التي كانت غير قادرة على إتمام عمل روائي يربطها بناشرها حسب العقد المبرم بينهما، وكذلك مع رفيق خالدي وروايته "أحجية مغربية" التي لم يكمل كتابتها لتظل لغزًا محيرًا.

يمكن الحديث في هذه الرواية عن ثلاث حبكات سردية، لكلّ حبكة شخصية رئيسية، وقد تتداخل شخصيتان في حبكة واحدة؛ الأولى رشيد بناصر الطالب المجد، الذي يحمل في صفاته شيئًا من الكاتب، وهو محب للأدب، وقارئ نهم، يعدّ أطروحة دكتوراه حول رواية "أحجية مغربية" لمؤلف معروفٍ اسمًا لكنه مجهول في وجوده، حتى ناشره لا يعرفه، قاده تمرده على اختيار المشرف على  أطروحته إلى مشاكل قد تعصف بمستقبله.

فهو كما جاء على لسان ماكميلان "شاب ذكي مثابر متمسك بمقاومة واقعه القاتل، بسلاح المطالعة والسخرية من كل شيء، حتى من نفسه" ص(356)، مؤكدة ما سبق أن أشارت إليه بأنه "لا يستحق البقاء أصلًا في بلد لا يحتاج مسؤولوه إلى الرصاص أو إلى المخدرات للإجهاز على خيرة شبابه، ما دامت لعبة القهر البطيء وحدها كفيلة  بذلك" ص(185).

والشخصية الثانية الكاتبة الأميركية كريستين ماكميلان، بعد أن وصلت إلى أعلى هرم الشهرة عبر أعمالها الأدبية التي لاقت شهرة واسعة، اكتشفت زيف عالم the best seller، وأن دُور النشر وأهل المال قد يكونون أكبر عدو للكاتب بعد جفاف مخيلته وضُمورها، غرقت كما قالت في حياة نيويوركية سريعة سلبتها إنسانيتها وقدرتها على الإحساس بمآسي الآخرين (ص353)، ما جعلها تعاني من حبسة الكتابة، فقد اكتشفت في خريف عمرها أن لوالدها ستيف ماكميلان حياة أخرى مختلفة عما كانت تعرفه تمامًا، عندما كان في الخدمة العسكرية بالمغرب خمسينيات القرن الماضي.

أما الشخصية الثالثة فصاحبها الطالب زهير بلقاسمي الذي تحوّل اسمه إلى ألكسندر جازدانوف (سفاح الحديقة الذي ارتكب جرائم غامضة ضد متشردين)، حيث قادته أقداره السيئة واستخفاف سفارة المغرب في روسيا بأحد مواطنيها، ليكون أحد الرهائن في أحداث مسرح دوبروفكا في موسكو، حين اقتحمته مجموعة باراييف الشيشانية المسلحة، لتستغل شرطة موسكو ذلك، وتجعل زهير الذي أرّق مضجع سكان موسكو هو الفاعل السفاح، فترتاح هي من عناء البحث عنه بإلباسه شخصيةً وهويةً وهميتين "السفّاح زهير بلقاسمي".

وهو الذي فرّ إلى موسكو من المغرب، بمساعدة والديه (الطبيب والمحامية) بعد ارتكابه جريمة اغتصاب للخادمة، استطاعت الأم عبر معارفها وخبرتها إخفاء القضية، سبع عشرة سنة في سجن في أبعد نقطة في كوكبنا "سيبيريا".

يُحسب للكاتب كذلك اشتغاله روائيًا على أحداث واقعية كأحداث اقتحام عصابة شيشانية مسرحًا في موسكو (2002)، وكذلك على واقعة سوداء من تاريخ المغرب المستقل وهي واقعة الزيوت المسمومة (1959)، التي تسببت في كارثة صحية، ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المغاربة. ربطَ هذه الحادثة الحقيقية والواقعية التي طمست والتي لا يعرف مغاربة اليوم عنها الكثير، مع أحداث خيالية بطلتها كاتبة أميركية جاءت إلى المغرب لتجمع معلومات عن حياة والدها الذي كان جنديًا في إحدى القواعد الأميركية بالمغرب في تلك الحقبة.

 

إنها ليست مجرد رواية أو سرد لأحداثٍ تلتقي شخوصها المختلفة في نقطة ما من سير الحبكة بطريقة فنّية مبدعة، بل قد نقول إنّها منحتنا نموذجًا مغريًا لأي قارئ يفكر في بدء تجربة كتابته الروائية

بذلك كانت إبداعًا مميزًا، وأفضل تجسيد لما وصفه الكاتب في تدوينه على الفيسبوك بتاريخ 2 أبريل/ نيسان 2022، وهي اقتباس للكاتب الإسباني "أرتورو بيريز ريفيرتي" الذي يقول: "عندما أكتب رواية، فأنا أعيش داخل عالمها، أكثر مما أعيش في العالم الحقيقي، وقد تتحول الرواية إلى حياة أكثر حقيقةً من الحياة نفسها"، حتّى ما يكاد القارئ يميّز بين الحدثين، أيُّهما واقعيّ وأيّهما مُتخيَل، داخل قالب سردي متكامل.

ما يميز رواية "الملف 42″ تنوع أساليبها السردية، ما يجعلها تصنف داخل أكثر من جنس أدبي واحد، كالرواية البوليسية والرواية التاريخية، حيث نجد بعض مقوماتها موجودة بشكل فرعي أو عرضيّ، وخدمت الحبكة السردية لأحداث الرواية.

ونجد الكاتب قد طوّرَ وجدّد في عمله الروائي، حيت تفنّن بالأسلوب السردي (Stream of Consciousness)، وقد يترجم إلى العربية بـ"انسياب الوعي/ الإدراك البشري".. وهو مفهوم استخدمه لأول مرة الفيلسوف وعالم النفس الأميركي ويليام جايمس (1890)، وانتشر استعماله بعد ذلك في أعمال الرواية السيكولوجية في القرن العشرين، وهو أسلوب سرديّ يحاول محاكاة طريقة تفكير العقل البشري بطريقة واقعية، ويربط بين أحداث وشخوص ومواقف، وكذلك عبارات لا خيط نظم يشد بينها في ظاهرها، يضمن للكاتب تمديد مساحة الارتباطات الحرة غير المقيدة بين الأحداث والشخوص.

وكذلك كثيرٌ من الملاحظات الحسّيّة التي تؤثر بشكل لافت في مسار الحبكة السردية. يمنح هذا الأسلوب السردي فرصة للقارئ للغوص في الحالة السيكولوجيّة للشخوص، ونظرتها للعالم، لفهم أعمق لما يختبرونه من حالات نفسية متعددة.

فالفصل (14) مثلًا، الموسوم بعنوان "ذهول وارتعاشات"، يبدأُ ببطاقة تعريفية لمادة (Tri Ortho Crésyl Phosphate)، أي (ثلاثي أورتو كريزيل فوسفات) تحمل صيغتها الكيمائية وصفًا لها ولاستعمالاتها، وكذلك تصنيفها الطبي وأثرها المباشر على جسم الإنسان، بالإضافة إلى ذكر كوارث متفرّقة تسببت فيها هذه المادة، واقتباس لأنطوان دي سانت، يقول: "إن لكل امرأة سرها الخاص، لكنه، حركة أو صمت (ص256)، ثُمّ لقاء بين رشيد وكريستين ولبنى العفوي، كل هذا ذكر قبل الخوض في أحداث ستجرّ القارئ إلى واقعة الزيوت المسمومة سنة 1959.

إنها ليست مجرد رواية أو سرد لأحداثٍ تلتقي شخوصها المختلفة في نقطة ما من سير الحبكة بطريقة فنّية مبدعة، بل قد نقول إنّها منحتنا نموذجًا مغريًا لأي قارئ يفكّر في بدء تجربة كتابته الروائية، مانحة كثيرًا من آلية فكّ أسر القلم، مجيبة كذلك عن أسئلة مؤرّقة للكاتب من قبيل: من أين البداية؟ وما هو الحد الأدنى -إن صحّ القول- من المعرفة الأدبيّة التي لا بُدّ لأي كاتب أن يجتهد في امتلاكها؟

رواية عبد المجيد سباطة عمل خارج عن المألوف، وإبداع يأخذ لبّ القارئ ليشارك شخصياته همومها وأحاسيسها وأمنياتها، ويستخلص العبر ويتعلم الدروس، فبراعة الكاتب في أن يجعل القارئ واضعًا للفرضيّة، فيكتشف بعد بداية قراءة كل فصل خطأَها

عيب الرواية – إن صحت كلمة عيب -، والذي ربما كان الكاتب هو نفسه أول من أدركه عندما منحنا -كقرّاء – صفحات من المذكرة الزرقاء التي عثر عليها زهير بلقاسمي مع الحاسوب المحمول داخل الحافظة الجلدية، لنطلع على الحبكة، والفِكَر الأولية لعمله الروائي، ووصفه لنهاية كانت ممكنة لقصة اختفاء رفيق خالدي، بأنّه لا يوجد أي سبب منطقي لذلك.

وعلى غرار ذلك، اختار أحداثًا متعدّدة واختار أيضًا الحل السهل لها، وهي الصدف السردية غير المنطقية أو المبالغ فيها، ومثال على ذلك لقاءُ زهير بلقاسمي بصديقه القديم الذي أصبح طبيبًا في السجن، والذي قام بمساعدته على الهروب، أو اللقاءان بين رشيد بلقاسمي وكريستين ماكميلان، الأول في فندق بالرباط، والثاني في مطعم بفرنسا، ثُمّ قدرة رفيق خالدي على النجاة لمدة 14 سنة، رغم ما كان يعانيه من تداعيات وآثار الزيوت المسمومة على جسده دون أدوية.

والخلاصة أن رواية عبد المجيد سباطة عمل خارجٌ عن المألوف، وإبداع يأخذ لب القارئ ليشارك شخصياته همومها وأحاسيسها وأمنياتها، ويستخلص العبر ويتعلم الدروس، فبراعة الكاتب في أن يجعل القارئ واضعًا للفرضيّة، فيكتشف بعد بداية قراءة كل فصل خطأَها.

وتكون بداية كل فصل ملهمة، إذ تجعل القارئ يغوص في تفاصيل الأحداث التي تنقل إليه تجربة قراءة حياة شاب كاملة في 424 صفحة، تجربة لا بُدّ أنها خُطّت بروح كاتب اجتهد في أن يجعل روايته امتدادًا ووصلًا للقارئ بكينونة كاتبٍ، أو إنسانٍ لم يزل شابًا في مقتبل العمر، ورؤيته وفلسفته في الحياة أو جزء منها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.