شعار قسم مدونات

هل يستخدم الاحتلال سلاح التعطيش في إبادة غزة؟

وزعت منظمة خيرية وجبات ساخنة على الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى مدينة دير البلح (وسط) جراء هجمات الجيش الإسرائيلي المستمرة منذ أشهر على قطاع غزة. ( Ashraf Amra - وكالة الأناضول )
سكان قطاع غزة في الوقت الذي ترتفع فيه درجات حرارة الصيف يكابدون بشدة من أجل الحصول على المياه (وكالة الأناضول)

عند التطرّق إلى ما يجري في غزة من حرب إبادة جماعيّة يرتكبها الاحتلال، لا بدّ من تسليط الضوء على قضية أساسيّة، وهي استهداف سكان قطاع غزة في شربة الماء، من خلال تدمير مختلف المرافق الحيوية، وتقليص مصادر المياه، بينما تزداد الحاجة إليها بشكل كبير مع ارتفاع درجات الحرارة، وصولًا إلى تعطيش أهالي القطاع، وإخضاعهم لأحوال معيشيّة سيئة.

تزداد أزمة المياه في قطاع غزة عمقًا يومًا بعد يوم، منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث يواجه أكثر من مليونَي فلسطيني في القطاع شبح الموت عطشًا، جراء قرار اتخذه الاحتلال بداية العدوان، بقطع إمدادات الكهرباء والمياه والوقود.

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ استهداف الاحتلال المتواصل والمنهجي واسع النطاق لمصادر المياه ومحطات التحلية في قطاع غزة، يُظهر أنه يتخذ من التعطيش سلاحًا آخرَ ضد المدنيين الفلسطينيين

في 9 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلن وزير دفاع الاحتلال يوآف غالانت، عن فرض حصار شامل على قطاع غزة، قائلًا: لا كهرباء ولا طعام ولا ماء، ولا وقود سيصل إلى القطاع، وفق ما نقلته القناة 13 العبرية.

منذ ذلك الوقت توقفت جميع محطات تحلية مياه الشرب في القطاع بشكل كامل عن العمل؛ نتيجة انقطاع الكهرباء، ونفاد كميات الوقود، وصارعت محطات عدة للبقاء قيد الخدمة في الأسابيع الأولى من العدوان، عبر تقليص ساعات العمل، وتقنين الاستهلاك بأقصى ما يمكن، لكن انقطاع إمدادات الوقود أدّى في نهاية المطاف إلى خروجها عن الخدمة.

في هذا الشأن قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان: إن استهداف الاحتلال المتواصل والمنهجي واسع النطاق لمصادر المياه ومحطات التحلية في قطاع غزة، يُظهر أنه يتخذ من التعطيش سلاحًا آخر ضد المدنيين الفلسطينيين، يتعمد من خلاله تقليص مصادر المياه المتاحة لهم، وبخاصة الصالحة للشرب، وفرض المجاعة والتسبب في إهلاك أكثر من مليونَي نسمة في إطار جريمة الإبادة الجماعية المستمرّة منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي.

وقالَ المرصد؛ إن فريقه الميداني وثّق أضرارًا شديدة، أصابت محطّة لتحلية المياه في حيّ الزيتون جنوب مدينة غزة، يوم الإثنين الأول من يوليو/ تموز الحالي، بفعل استهداف مباشر للمحطّة من قبل الاحتلال، مما أدّى لمقتل شاب كان يملأ جالونه بالماء، وإصابة آخرين بجروح، كما أحدث أضرارًا جسيمة في المحطة التي كانت تخدم ما لا يقلّ عن 50 ألفَ نسمة في عدّة أحياء سكنيّة متجاورة.

أبرز "الأورومتوسطي" أن سكان قطاع غزة في الوقت الذي ترتفع فيه درجات حرارة الصيف يكابدون بشدة من أجل الحصول على المياه، حيث تشير التقديرات إلى أن حصّة الفرد من المياه، قد تراجعت منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إلى ما بين 3-15 لترًا كل يوم، مقابل معدل استهلاك بنحو 84.6 لترًا للفرد يوميًا خلال العام 2022.

أدّت سياسات الاحتلال التعسفية إلى تعطيل جميع محطات وأنظمة معالجة المياه العادمة، وتوقّف حوالي 65 مضخّة للصرف الصحي، وتدمير 70 كلم من شبكات الصّرف

تشهد جميع مناطق قطاع غزّة شحًا في المياه، وانهيارًا لنظام الصرف الصحي، في ظل استمرار جرائم حرمان السكان من المواد التي لا غنى عنها للبقاء، يتضح ذلك من خلال تدمير أكثر من 700 بئر ومحطة تحلية مياه، في حين تعاني البقية من شح الوقود، الذي يمنع الاحتلال إدخاله إلى القطاع بالرغم من ارتفاع عدد الضحايا وبينهم الأطفال، بفعل انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، بعد تراكم المياه الملوثة؛ نتيجة استهداف محطات الصرف الصحي.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن قوات الاحتلال بمواصلتها قصف المنشآت الحيوية، تخلق بيئة غير صالحة للحياة في قطاع غزة، عبر تدمير 50% (350 كلم من أصل 700 كلم) من شبكات المياه، و9 خزانات مياه من أصل 10.

كما أدَّت عمليات وسياسات الاحتلال التعسفيَّة إلى تعطيل جميع محطات وأنظمة معالجة المياه العادمة (6 محطات)، وتوقف حوالي 65 مضخة للصرف الصحي، وتدمير 70 كلم من شبكات الصرف الصحي، ما يدفع للتخلص من مياه الصرف التي تقدّر بحوالي 130 ألف متر مكعب يوميًا، دون معالجة لتتسرب أجزاء منها إلى الطرقات، ومراكز إيواء النازحين في جميع مناطق قطاع غزة.

وبحسب الأمم المتحدة فإن نحو 96% من سكان غزة (2.1 مليون شخص)، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، كما أظهرت نتائج التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي أن أكثر من 495 ألف شخص (22% من السكان) على الأقل يصنّفون ضمن المرحلة الخامسة (المجاعة الحادّة)، التي تواجه فيها الأسر نقصًا شديدًا في الغذاء، واستنفاد القدرة على المواجهة.

%66 من أفراد العينة المشمولة بالدراسة؜ يعانون أو عانوا من حالات الأمراض المعوية والإسهال؛ بسبب عدم توفر مياه صالحة للشرب

وعليه، يجدد "الأورومتوسطي" تحذيراته من أن نقص مياه الشرب في قطاع غزة بات مسألة حياة أو موت، في وقت يُجبر السكان فيه على استخدام مياه ملوثة، ونبّه إلى أن الإفراط في تناول الماء المالح غير الصالح للشرب، إلى جانب تسببه بأمراض المعدة والنزلات المعوية والقيء والإسهال، يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وأمراض الكلى، واحتمال الإصابة بالسكتة الدماغيّة.

وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أجرى المرصد الأورومتوسطي دراسة تحليلية شملت عينة مكونة من 1200 شخص في غزة، للوقوف على آثار الأزمة الإنسانية التي يعانيها سكّان القطاع، أظهرت أنّ 66% من أفراد العينة المشمولة بالدراسة؜ يعانون أو عانوا من حالات الأمراض المعوية والإسهال؛ بسبب عدم توفر مياه صالحة للشرب.

وأعاد المرصد التذكير بأنّ القانون الإنساني الدولي يحظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان والمنشآت، التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، بما يشمل مرافق مياه الشرب وشبكاتها، كما يحظر وبشكل صارم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، أو الإجبار على النزوح، واعتبارها انتهاكًا جسيمًا وعقابًا جماعيًا محظورًا، ويشكل كذلك مخالفةً للالتزامات المترتبة على عاتق الاحتلال، بصفته السلطة القائمة بالاحتلال للأرض الفلسطينية، وخرقًا لواجباته – وفقًا للقانون الدولي الإنساني  في توفير احتياجات سكان غزة وحمايتهم.

يجب على المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان، والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، تحمُّل مسؤولياتها وواجباتها، وإلزام قوات الاحتلال بضرورة وقف العدوان بشكل فوري، والاستجابة لضرورة تزويد قطاع غزّة بالمياه

وينصُّ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أنّ تجويع المدنيين عمدًا من خلال حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الإغاثية، يعتبر جريمة حرب.

ويذكر المرصد الأورومتوسطي أن الحرمان الشديد والمتواصل للسكان المدنيين في قطاع غزة من المياه الصالحة للشرب وبالكميات الكافية، يعتبر شكلًا من أشكال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، كونه يلحق أضرارًا جسيمة بالسكان المدنيين الفلسطينيينن، ما من شأنه أن يتسبّب بموت مجموعة منهم.

كل هذه البيانات والأدلة تُثبت أنّ الاحتلال يستخدم التعطيش سلاحًا فتّاكًا في حرب الإبادة على غزّة.

وبناءً عليه، يجب على المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان، والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، تحمُّل مسؤولياتها وواجباتها، وإلزام قوّات الاحتلال بضرورة وقف العدوان بشكل فوريّ، والاستجابة لضرورة تزويد قطاع غزّة بالمياه الصالحة للشرب، وبكميات أكبر من التيار الكهربائي؛ لضمان استمرار عمل مضخّات المياه والصرف الصحي والمشاريع ذات العلاقة، وإدخال المعدات وقطع الغيار الخاصّة بمشاريع تنمية المياه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.