شعار قسم مدونات

لماذا هناك حاجة دائمة إلى بناء الثقة في المؤسسات السياسية؟

أكدت دراسات علم الاجتماع والسياسة أهمية الثقة سواء في بعدها الاجتماعي أو السياسي بالنسبة للحكم الديمقراطي الفعال (شترستوك)

تُعد الثقة شعورًا شخصيًا يعمل على مستوى الحياة العامة، كما أن الثقة تتطلب وجود علاقة بين طرفيها، وهذه العلاقة تعني أن يكون لأفعالك تأثير على الطرف الآخر، فبالنسبة للحياة العامة إذا لم يدرك أفراد الجمهور أعمال الحكومة باعتبارها مؤثرة على حياتهم اليومية، فإنه لن تكون هناك علاقة، ومن ثم لا تصبح هناك قضية ثقة، ولكنْ عند وجود انتخابات يتوحد فيها الناخبون مع المرشحين من خلال بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك، تصبح الثقة قضية مهمة.

إن الثقة السياسية تستوجب معرفةً نسبية بالمجال السياسي، وتقييمًا إيجابيًا لهذا الأخير، في حين أن غيابها يرتكز على تقييم سلبي، يعتمد على مستوى موازٍ من المعرفة، يؤدي إلى حكم نقدي بليغ ومستنير. فالثقة، من المنظور الاجتماعي "وسيلة لبناء العلاقات الاجتماعية والحفاظ عليها، وهي جوهر رأس المال الاجتماعي، الذي يستخدم كمورد لبناء المجتمعات"، التي تسعى لتعزيز النموّ في مختلف المجالات.

يربط هنتنغتون بين الثقة المتجذرة في ثقافة المجتمع والمؤسسات السياسية باعتبارها علاقة جدلية، فـ"الاجتماع السياسي التوافقي معناه إضفاء طابع مؤسسي على الثقة، والوظيفة الجوهرية لسلطات الحكم العامّة هي العمل على زيادة انتشار الثقة المتبادلة في قلب الكل الاجتماعي

تعتبر المؤسسات السياسية في أي دولة انعكاسًا لشكل وطبيعة المجتمع الذي توجد فيه، ولثقافته وتاريخه، كما تشكل تجسيدًا لمصالح القوى الاجتماعية الموجودة فيه؛ والعلاقة بين هذه المؤسسات والقوى الاجتماعية بمختلف مكوناتها، هي التي تحدد مدى قوتها واستمراريتها المبنية على أدائها، ومدى انسجام عملها مع توقّعات الجماهير.

لذلك اعتبر صمويل هنتنغتون، أن "مستوى الاجتماع السياسي التوافقي الذي يحققه أي مجتمع، يعكس العلاقة بين مؤسساته السياسية والقوى الاجتماعية التي يتألف منها"، إذ إن "وجود مؤسسات سياسية قادرة على بلورة مصالح عامة، هو ما يميز المجتمعات المتطورة سياسيًا عن المجتمعات المتخلّفة سياسيًا، كما أنّه يميز أنماط المجتمعات السياسية التوافقية الأخلاقية عن المجتمعات اللاأخلاقية، فالحكم الذي يخفض مستوى إضفاء الطابع المؤسّسي فيه لا يكون نظامَ حكم ضعيفٍ فحسب، بل نظامَ حكم رديء أيضًا".

ويربط هنتنغتون أيضًا بين الثقة المتجذرة في ثقافة المجتمع والمؤسسات السياسية باعتبارها علاقة جدلية، فـ"الاجتماع السياسي التوافقي معناه إضفاء طابع مؤسّسي على الثقة، والوظيفة الجوهرية لسلطات الحكم العامّة هي العمل على زيادة انتشار الثقة المتبادلة في قلب الكلّ الاجتماعي.

وحين تغيب الثقة عن ثقافة المجتمع توجد عقبات هائلة أمام إنشاء مؤسسات عامة، فالمجتمعات التي تعاني من نقص في كفاءة نظام الحكم واستقراره، تعاني بالقدر نفسه من نقص في الثقة المتبادلة بين مواطنيها، ومن نقص في الولاء الوطني والعام". وهذا الارتباط المباشر بين ثقافة الثقة، ليس فقط على المستوى الفردي، بل حتى السياسي في علاقات الفرد مع النظام السياسي ومؤسسات الدولة، وهو الذي يميز مجتمعًا عن آخر من حيث التنظيم، ومن حيث القدرة على التعامل مع الأزمات والتحوّلات، والحفاظ على الاستقرار وعلى أسس الحُكم.

يؤمن المواطن بالقيم الديمقراطية، لكنه ينتقد طريقة عمل الحكومات في الوقت ذاته، كما أنّ المواطن قد ينتقد معظم السياسيين مع الاستمرار في التعبير عن الثقة تجاه الحزب الذي ينتمي له هؤلاء السياسيون

لقد أكدت دراسات علم الاجتماع والسياسة على أهمية الثقة، سواء في بعدها الاجتماعي أو السياسي، بالنسبة للحكم الديمقراطي الفعال، فالثقة الاجتماعية تكون مهمة، لأنّها تقوي وتدعم العلاقات التعاونية، وتسهل الفعل الجمعي في المجتمع، بينما تكون الثقة السياسية العامة ضرورية لإثبات صلاحية المؤسّسات الديمقراطية، كما أن الثقة تعمل على تخفيف حدة الصراعات وصورها، وتجسّر الفجوة بين الانقسامات السياسية والاجتماعية.

وتعتبر الثقة العامة في المؤسسات الحكومية والسياسية من أهم آليات الوصول إلى الشرعية السياسية بالنسبة لأي نظام حاكم، لأنها تُؤشّر على درجات رضا الشعب، وقبوله ودعمه للدولة ومؤسساتها القائمة.

ولايزال الجدال قائمًا بين الباحثين حول مستويات الثقة السياسية التي يتطلبها النظام السياسي لتحقيق الرضا العام. فمن ناحية أشار "إيستون" David Easton إلى ثلاثة مستويات من التأييد السياسي، وهي: تأييد المجتمع السياسي، والنظام السياسي، والسلطات السياسية، إلا أن "نوريس" (Pippa Norris) اختلفت معه، وأعادت هذا التصنيف إلى خمسة مستويات، تتشكل من: تأييد المجتمع السياسي، ومبادئ النظام، وأداء النظام، ومؤسسات النظام، والفاعلين السياسيين.

ويعد هذا التمييز مهمًا؛ لأنه يساعد في تفسير وتحديد أي من هذه المؤسسات التي تتسبب في تراجع مستويات الثقة السياسية، وأثر هذه التقلبات على المستويات المختلفة من التأييد، وهل هو عقلاني ومتسق. فعلى سبيل المثال، يؤمن المواطن بالقيم الديمقراطية، لكنه ينتقد طريقة عمل الحكومات في الوقت ذاته، كما أنّ المواطن قد ينتقد معظم السياسيين مع الاستمرار في التعبير عن الثقة تجاه الحزب الذي ينتمي له هؤلاء السياسيون، ولذلك تتعدد مستويات الثقة السياسية ومجالاتها، وبالتالي ليس بالضرورة أن تكون كل مستويات التأييد السياسي متصلة.

يتطلب تحقيق الحُكم الجيّد وجود برلمان قوي وفعال، ويرجع ذلك إلى أن البرلمان يلعب دورًا حاسمًا في قياس ومقارنة وجهات نظر واحتياجات الشعب، مع توضيح توقّعاته وتطلعاته في تحديد أجندة التنمية الوطنية

في هذا السياق ذهب "تالكوت بارسونز" (Talcott Parsons) إلى اعتبار الثقة السياسية ما يمكن أن نطلق عليه "الثقة الأدائية"، كمصدر رئيسٍ للتكامل الاجتماعي، وتحقيق الاستقرار والتوازن، من خلال أداء الفاعلين داخل النسق السياسي، فالنسق المتكامل يمتلك فيه الفاعلون قدرًا من الثقة عند أداء أدوارِهم، ويساهم ذلك بدوره في استقرار النسق والمحافظة على توازنه.

كما أنّ دعم الفرد للنظام وقبوله وتأييده لمبادئه، وكذا لمؤسساته وفاعليته الوظيفية، يشير إلى علاقة التفاعل الإيجابي بين أداء النسق واحتياجات وتوقعات المواطنين، وهو ما يؤدي إلى رفع مستوى الثقة، وبالتالي المحافظة على بقاء واستقرار النظام.

لذلك يتطلب تحقيق الحُكم الجيّد وجود برلمان قوي وفعال، ويرجع ذلك إلى أن البرلمان يلعب دورًا حاسمًا في قياس ومقارنة وجهات نظر واحتياجات الشعب، مع توضيح توقعاته وتطلعاته في تحديد أجندة التنمية الوطنية، وبصفته هيئة رقابية يساعد البرلمان على تحديد المشاكل وتحديات السياسة، التي تتطلب الاهتمام، ويساعد في التغلب على القصور الذاتي البيروقراطي.

وعلى قدر أهمية هذه الوظائف التي يقوم بها، فهو بحاجة إلى الثقة والدعم والمساندة من أجل الاستمرارية في القيام بدوره كما يجب، إذ يمكن أن تشكل الثقة السياسية عنصرًا تحفيزيًا بالنسبة للبرلمان والبرلمانيين على حدّ سواء، وكسب الثقة رهين بطريقة أداء البرلمان، ومدى تفاعله مع مختلف القضايا المجتمعية.

عدم الرضا من حين لآخر من مواطنين معينين عن البرلمان، قد يكون أمرًا عاديًّا، ولا يشكل بالضرورة إشكالية، خصوصًا في الديمقراطيات العريقة، لكن رغم ذلك تبقى الإشكالية الأكثر إثارةً هي احتمال أن يؤدّي عدم الرضا العميق والمستدام إلى تآكل دعم النظام بصفة عامة

وهناك نوعان من الثقة في المؤسّسات:

  • الثقة المحددة (Particularized Trust) وتعني أن الأفراد يثقون في مؤسسة ما فقط عندما تعمل لصالحهم، وبمعنى آخر فالثقة هنا مشروطة بنتائج التعامل المباشر سلبًا أو إيجابًا.
  • الثقة غير المحددة (Un-particularized Trust) وتعني إيمان الفرد مسبقًا بأن تلك المؤسسة ستؤدّي بحياد وعدالة، ولن تعمل لصالح أحد من الأفراد دون غيره، أي أن ما تنتهجه تلك المؤسسة في الأداء والتعامل مع الجمهور يدعم فقط الثقة بها، فالثقة هنا غير مشروطة.

ويمكن فهم الثقة في البرلمان، على أنها دعم المواطنين للمؤسسة البرلمانية في مواجهة عدم اليقين بشأن أعمال هذه المؤسسة أو ضعفها، وعلى الرغم من أن الثقة في البرلمان ينظر لها تقليديًا باعتبارها قيمة مؤيدة للديمقراطية، فإن غيابها ليس من الواضح أنه يضرّ بالديمقراطية.

عدم الرضا من حين لآخر من مواطنين معينين عن البرلمان، قد يكون أمرًا عاديًّا، ولا يشكل بالضرورة إشكالية، خصوصًا في الديمقراطيات العريقة، لكن رغم ذلك تبقى الإشكالية الأكثر إثارة هي احتمال أن يؤدّي عدم الرضا العميق والمستدام إلى تآكل دعم النظام بصفة عامة، والقلق الأكبر هو أن عدم الرضا عن البرلمان قد يتحول إلى استياء من عمل الديمقراطية بشكل أعم.

إن انعدام الثقة في المؤسسات السياسية التمثيلية ينظر إليه في كثير من الأحيان على أنه مصدر رئيس لسلوك الاحتجاج، ومن غير المستغرب أن العلاقة بين الثقة السياسية وسلوك الاحتجاج كانت موضوعًا مركزيًا للبحث في المشاركة السياسية منذ أواخر الستينيات، ومع ذلك لا يزال هناك اختلاف حول كيفية ربط المفهومين من الناحية النظرية والتجريبية.

واقع تعامل النخب السياسية والفاعلين السياسيين من خلال الحكومات والبرلمانات مع جسر الثقة الذي يربطهم بالمواطنين، يسير في اتجاهات أخرى غير تلك المفترضة، إذ إنه يعمق الفجوة القائمة بين الناخبين والمنتخبَين

وقد وصف "كروزيي" (Michel Crozier) سلوك الاحتجاج كأنه تعبير متمرد عن الاستياء من القنوات التقليدية للديمقراطية التمثيلية، والبحث عن طرق بديلة للطعن في النظام، وقد يعكس تراجع الثقة في البرلمان انخفاضًا أوسع في التفاؤل، أو التوافق الاجتماعي، أو العلاقات الشخصية، بدلًا من الانكماش السياسي على وجه التحديد، ويقال دائمًا إن الثقة في المؤسسات التمثيلية مرتبطة سلبيًا بسلوك الاحتجاج؛ لأن المواطنين الساخطين من خلال القنوات القائمة للديمقراطية التمثيلية (البرلمان)، هم الأكثر احتمالًا للانخراط في أشكال المشاركة غير التمثيلية من خلال المشاركة في أنشطة الاحتجاج، ويحاول المواطنون التدخل بشكل مباشر في العملية السياسية، مع مطالب محددة، بدلًا من اختيار حزم أيديولوجية واسعة في الانتخابات.

تتميز العلاقة بين المواطنين ومؤسساتهم في عالم مثالي بمستوى عالٍ من الثقة، بناء على معرفة قوية بدور ووظيفة المؤسسات، وفي المقابل تعزز هذه المعرفة الثقة في المؤسسات وتقود المواطنين نحو مشاركة سياسية أكبر من خلال القنوات السياسية الرسمية، التي تخلق في المقابل تماسكًا اجتماعيًا أقوى.

وعليه؛ فإن المحافظة على هذا الرأسمال ومراكمته يظلان مسؤولية كل القوى السياسية والمدنية داخل المجتمع، غير أن واقع تعامل النخب السياسية والفاعلين السياسيين من خلال الحكومات والبرلمانات مع جسر الثقة الذي يربطهم بالمواطنين، يسير في اتجاهات أخرى غير تلك المفترضة، إذ إنه يعمق الفجوة القائمة بين الناخبين والمنتخبَين، التي كلما ازداد اتساعها تبدد معها منسوب الثقة المؤسسية أكثر، ما يعني أن الممارسة السياسية أضحت عاملًا مباشرًا في فقدان الثقة، عوضًا عن أن تكون عنصرًا دافعًا باتجاه تكريسها عبر بناء الرأسمال الاجتماعي والحفاظ عليه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.