شعار قسم مدونات

مواقف روسيا التصعيدية هل هي فاتحة حرب؟

حرب بدأت ستكون حتمًا مفتوحة على كافة الصعد (شترستوك)

أكّدت الرئاسة الروسية (الكرملين)، يوم الأحد 23 يونيو/ حزيران، أن "الهجوم الأوكراني بالصواريخ التكتيكية على القرم وحشي، ونعرف الجهة المسؤولة عنه، وهي ليست أوكرانيا"، معتبرة أن "تدخل الولايات المتحدة في القتال الذي يسفر عن مقتل مواطنين روس لا يمكن إلا أن تكون له تداعيات". وأضافت الرئاسة الروسية: "بدأنا مراجعة العقيدة النووية الروسية؛ لتتماشى مع الحقائق الراهنة".

في تفصيل التأكيد المقتضب للرئاسة الروسية يقف المتابع عند الاتهام الروسي لأميركا بمشاركتها مباشرة في الحرب على روسيا وقتل مواطنيها، في حين كانت سابقًا في بياناتها تقف عند حدود إدانة التدخل الأميركي في الحرب الدائرة في أوكرانيا، عبر توجيه الاتهام لها بأنها تتدخل بطريقة غير مباشرة من خلال إمداد أوكرانيا بالأسلحة.

تعتبر روسيا أن عليها تأمين شريط ضامن لأمنها القومي في العمق الأوكراني، لهذا أتت كافة الأطروحات التي يطلقها الرئيس فلاديمير بوتين للسلام، متعلّقة بضرورة الاعتراف بالمقاطعات الأربع التي تسعى قواته لضمها إلى أراضي روسيا

تسير الحرب الروسية على أوكرانيا في اتجاهين: أولهما الاتجاه التوسعي داخل الأراضي الأوكرانية، حيث تعتبر روسيا أن عليها تأمين شريط ضامن لأمنها القومي في العمق الأوكراني، لهذا أتت كافة الأطروحات التي يطلقها الرئيس فلاديمير بوتين للسلام، متعلّقة بضرورة الاعتراف بالمقاطعات الأربع التي تسعى قواته لضمها إلى أراضي روسيا؛ إذ إنه في 30 سبتمبر/ أيلول عام 2022، أعلنت روسيا عبر احتفال رسمي قرار ضمّ مقاطعات: دونيتسك وخيرسون ولوغانسك وزاباروجيا. ويشكل الغزو الروسي لأوكرانيا الضمّ الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث سيشمل حوالي 90 ألف كيلومتر مربع؛ أي ما يعادل 15% من أراضي أوكرانيا.

الاتجاه الثاني؛ هو الصدامي مع الغرب، فتوجيه الاتهام من الجانب الروسي إلى أميركا مباشرة يعني إعلان الحرب، كما أن تحميل واشنطن مسؤولية مقتل مواطنين روس والتوعد بالردّ، يعني أيضًا أن روسيا تريد القيام بالمثل. وكانت الخارجية الروسية قد استدعت الإثنين 24 يونيو/ حزيران، السفيرة الأميركية للاحتجاج على ما تقول إنه استخدام صواريخ متقدمة أميركية الصنع في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم، وقد أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من 150 آخرين. وفي المقابل قال البنتاغون إن الجيش الأوكراني حصل على تصريح يخوّله استخدام صواريخ أطول مدى قدمتها الولايات المتحدة؛ لضرب أهداف داخل روسيا في حال التصرف دفاعًا عن نفسها.

لا أحد من المتابعين يستطيع إنكار أن الحرب تشظّت ولم تعد محصورة في شرق أوروبا، وأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدأ فعليًا الاستعداد لها، وأنّ الانزلاق نحو الحرب النووية أصبح قاب قوسين أو أدنى، لاسيما أن الرئاسة الروسية أكّدت أنها بدأت مراجعة عقيدتها النووية، حيث أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف -الإثنين 24 يونيو/ حزيران نقلًا عن تصريحات سابقة لبوتين- أن أكبر قوة نووية في العالم، شرعت في تحديث عقيدتها النووية، التي كانت ترتكز على مبدأ أن استخدام موسكو سلاح الردع يرتبط بأي تهديد وجودي لروسيا.

وأضاف بيسكوف في مؤتمر صحفي أن بوتين جعل العقيدة تتماشى مع الوقائع الحالية، هذا وكان رئيس لجنة الدفاع بمجلس الأمن الروسي أندريه كارتابولوف أعلن سابقًا أن روسيا قد تقلص الوقت المحدّد في السياسة الرسمية لاتخاذ قرار باستخدام الأسلحة النووية، إذا ارتأت تزايدًا في التهديدات التي تواجهها، عبر تغيير الشروط التي يمكن بموجبها استخدام مثل هذه الأسلحة.

حرب بدأت كي لا تنتهي عبر مفاوضات، لا بل ستكون حتمًا مفتوحة على كافة الصعد، حيث أتت على لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في قوله إنها حرب ستكون بلا سقوف ولا قوانين. صحيح أن نصر الله كان يعني بها الحرب مع إسرائيل، ولكنّه جزء لا يتجزأ من محور يمتدّ نفوذه إلى الصين وروسيا

ليس من باب المبالغة أن تذهب روسيا في خيار التصعيد، لاسيما وسط الإصرار على خنق الاقتصاد الروسي من خلال موافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، بسبب الحرب في أوكرانيا؛ والأبرز في هذه العقوبات أنها بدأت تطال شرايين روسيا الرئيسية لتمويل خزينة الحرب، من خلال إقرار حزمة جديدة، تتضمّن عشر عقوبات لفرض حظر على تحميل الغاز الطبيعي المسال الروسي في الاتحاد الأوروبي إلى دول ثالثة. هذا، وفرضت واشنطن ولندن والاتحاد الأوروبي منذ الغزو الروسي في فبراير/ شباط 2022، إلى جانب دول منها أستراليا وكندا واليابان، ما يربو على 16500 عقوبة على روسيا!

التعديل في العقيدة النووية الروسية، واتهام واشنطن بالمشاركة مباشرة في قتل المواطنين الروس، دليل واضح على أن الصدام بين القوى النووية لم يعد مجرد تكهنات؛ فالمسألة باتت مسألة وقت، ولا ترتبط بالتهديد القومي لروسيا، فالولايات المتحدة تباشر في تطوير قنابل نووية مخفضة الشدة، فيما يبحث الغربيون استخدام مثل هذه الأسلحة، وهذا طبعًا لن يجعل روسيا تقف متفرجة.

لا يبدو أنّ الانفتاح الروسي على مناطق من العالم الثالث، قد أوجد سوقًا بديلًا لها لتمويل حربها في أوكرانيا، التي باتت ترهق الخزينة الروسية. إن جزءًا من التعديلات الوزارية التي طالت وزارة الدفاع تحديدًا، وتعيين بوتين اقتصاديًا روسيًا هو الخبير الاقتصادي أندريه بيلوسوف، يرتبط ذلك مباشرة بضبط ميزانية الحرب التي تؤرق كاهل روسيا. كذلك فإن الشريط الصيني لروسيا يعمل على الاستفادة من أزمة تصدير الطاقة الروسية من نفط وغاز، الأمر الذي دفع بكين لشراء الطاقة الروسية بأسعار أدنى من سعر السوق.

هي حرب بدأت كي لا تنتهي عبر مفاوضات، لا بل ستكون حتمًا مفتوحة على كافة الصعد، حيث أتت على لسان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في قوله إنها حرب ستكون بلا سقوف ولا قوانين. صحيح أن نصر الله كان يعني بها الحرب مع إسرائيل، ولكنّه جزء لا يتجزأ من محور يمتدّ نفوذه إلى الصين وروسيا، الأمر الذي يوضح مدى اتساع كافة الجبهات التي تخوضها روسيا وحلفاؤها في وجه إزالة الهيمنة الأميركية والغربية عن النظام الدولي القائم؛ فالحرب لا بدّ لها أن تتوسّع وتتشظّى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.