شعار قسم مدونات

الصهيونية.. قومية دينية أم أداة استعمارية؟

غلاف كتاب لرئيسية تاريخ الفكر الصهيوني عبدالوهاب المسيري
غلاف كتاب تاريخ الفكر الصهيوني للمفكر المصري عبد الوهاب المسيري (الجزيرة)

في كتابه "تاريخ الفكر الصهيوني"، يسلّط المفكر عبد الوهاب المسيري الضوء على مدى إشكالية وتناقض التعريفات التي صاغتها وتبنتها شخصيات ومنظمات يهودية وغير يهودية عن الصهيونية؛ فهناك تعريفات استندت إلى القومية اليهودية ذات الطابع الديني والتاريخي، وأخرى إلى الطابع السياسي الاستيطاني الذي رآه البعض على حد قوله "الحل لإنقاذ الشعب اليهودي".

ففي الرواية الصهيونية الدينية هناك تاريخٌ جوهره نصوص العهد القديم، التي نصبت اليهود شعبًا مختارًا مقدسًا، يقودهم الإله وتحلّ فيهم مشيئته (الحلولية)، وعهدٌ قطعه الإله على نفسه لإبراهيم بأن يجمع شمل شعب مقدس بلا أرض على أرض مقدسة بلا شعب (فلسطين).

وهناك الرواية السياسية، التي تكونت أفكارها لحل أزمة (الشتات)، التي نافت كل المعتقدات التي وصفت اليهود كشعب وعرق موحد، فاليهود لم يشكلوا سوى جماعات مغموسة في مختلف الأقطار، لها وظيفتها التي تؤديها، وأن (الغيتو) اليهودي لم تكن له استقلاليته الخاصة التي تعبر عن إرادته، وإنما كانت هويته التبعية نتاج صفات المجتمع الإقطاعي في بولندا وروسيا، وهي الحقيقة التي سعت الصهيونية إلى إخفائها تحت غطاء (القومية اليهودية).

اليهودية الحاخامية تحرم محاولة العودة الجماعية الفعلية لفلسطين، وتعتبرها تجديفًا وهرطقة، ومن قبيل (دحيكات هاكتس) أي (التعجيل بالنهاية) وأن العودة لها وقت سيحدّده الرب، لا من فعل البشر

  • عبد الوهاب المسيري

الفكر القومي الديني

ارتبطت القومية اليهودية دينيًا بمفاهيم اليوم الموعود، وأرض الميعاد، وشعب الإله المختار الذي قدر له منذ خروجه من مصر أن تكون له الأرض التي سيقوده (الماشيح) إليها؛ فمصطلح الصهيونية يعود إلى جبل صهيون والقدس، والذي على أثره ظهر الاسم الذي أطلقه اليهود على أنفسهم (نبت صهيون)، والذي يعبّر عن حتمية العودة لهذه الأرض.

هذه المفاهيم الدينية انعكست على توجه بعض أعضاء الجماعات اليهودية المشتتة، التي هاجرت إلى فلسطين بغية التعبد وأداء الصلوات والطقوس الدينية المختلفة، ليعيشوا على الصدقة التي ترسلها الجماعات الأخرى فقط، دون التوجه للعمل أو الغرض الاستيطاني الجماعي.

يقول المسيري: "إن اليهودية الحاخامية تحرم محاولة العودة الجماعية الفعلية لفلسطين، وتعتبرها تجديفًا وهرطقة، ومن قبيل (دحيكات هاكتس) أي (التعجيل بالنهاية) وأن العودة لها وقت سيحدّده الرب، لا من فعل البشر".

مع إقامة (المؤتمر الصهيوني الأول) عام 1897، صاغ المفكر اليهودي النمساوي (بيرنباوم) فكرة الصهيونية كمفهوم له أبعاد لا تعبر عن الفكر الديني، ووصفها بأنها منظمة حزبية سياسية، تجمع بين الهوية القومية والحراك الفعلي نحو الأرض المشروعة

الفكر القومي السياسي (العلمنة)

تبلورت فكرة الصهيونية مع ظهور الآراء داخل أوساط المجتمع الغربي، التي نادت باعتبار الجماعات اليهودية شعبًا واحدًا، وليس أقلية إثنية (لها سماتها الخاصة)، له الحق في أرضه المقدسة الموعودة، الأمر الذي عزّزته علمنة المجتمعات الغربية، وتزايد المفكرين والفلاسفة – من اليهود وغير اليهود- الذين توجهوا للفكرة نفسها، فضلًا عن تبلور الإمبريالية الغربية وهجمتها على المجتمع الشرقي الإسلاميّ.

ولكن الأمر قد أدى لنتائج ليست مرجوة بالنسبة لمن تبنوا هذا الفكر، فبالرغم من تلك الجهود التي ارتكزت على مبدأ الشعب الواحد أو (أين فولك) -على حد تعبير هرتزل- فإن نسبة من هاجروا إلى فلسطين كانت محدودة، إذ إن تفكير الجماعات اليهودية كان متجهًا إلى الميول النفعية أكثر من الميول القومية، الأمر الذي دفع بعض الجماعات اليهودية في غرب أوروبا إلى تمويل الجماعات الشرقية للهجرة إلى فلسطين؛ خوفًا من هجرتهم إلى الغرب وتعريض مكانتهم الاجتماعية ومواردهم النفعية للخطر.

ومع ذلك فإنّ بلورة الفكر الغربي للصهيونية كان له الطابع الغالب والأصوات العظمى. ومع إقامة (المؤتمر الصهيوني الأول) عام 1897، صاغ المفكر اليهودي النمساوي (بيرنباوم) فكرة الصهيونية كمفهوم له أبعاد لا تعبر عن الفكر الديني، ووصفها بأنها منظمة حزبية سياسية، تجمع بين الهوية القومية والحراك الفعلي نحو الأرض المشروعة.

الحراك تبنته النزعة الصهيونية للجماعات اليهودية في شرق أوروبا (جماعات أحباء صهيون)، التي حاولت الهجرة إلى فلسطين بدوافع سياسية. والصيغة رسمت الفهم والوصف لجميع الأطراف المرتبطة بالتهجير السياسي، باعتبار أنّ اليهود شعب لا مكان له في أرض الغرب، وأن الطرف غير اليهودي -وهو الشعب العربي- صاحب الأرض التي وعد بها بلفور، ولأجل ما كانت النية وراءه بتحويل الجماعات الوظيفية إلى مادة نفعية (أداة استعمارية)، تخدم مصالح المجتمع الغربي في السياق نفسه.

يرى الكاتب أن خلوّ خطاباتنا من فهم المعنى الصحيح للصهيونية هو ما أعجزنا عن فك إشكالية التعريف بها، وأنها وسيلة تم استخدامها إما للتهجير أو الإبادة. فما الذي يمنعنا أن "نعمم هذا المفهوم عن سلوك النازية مثلًا في إبادة اليهود أنفسهم، أو دفع المجتمعات الغربية اليهودَ بتهجيرهم إلى أرض عربية محايدة، ليمارسوا السلوك ذاته فيها، كأداة مجندة تحقق المنافع الاستعمارية لها".

علمنة اليهود كان لها الدور الأساسي في ضمان تشربهم الفكر الإمبريالي، والسير على نهج الغرب في الطموحات الاستعمارية والترغيب في الأحلام التوسعية، وأن أرض العرب هي فرصة اليهود لتحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه في أوروبا.

الأداة الاستعمارية (الفصل في الإشكالية)

هذا المفهوم فيه الدلالة على فكرة الغرب الشهيرة باستثمار المادة البشرية، وتوظيفها لتحقيق الصالح العام؛ فبعيدًا عن مبادئ ومفاهيم الديباجات والاعتذاريات، ودون التطرق لتعبير (الشعب) أو (العرق)، فقد عبر عن حقيقته بعقد صامت بين روّاد الاستعمار والصهيونية العلمانية، وحدد نقاطًا صريحة لتحقيق الأهداف، وهذه النقاط بإيجاز هي:

الهوية القومية هي الحجة التي يجب على أساسها إيجاد وطن لليهود خارج أوروبا، وتهجيرهم بالتحديد إلى حيث تقام دولتهم في منطقة لها أهمية إستراتيجية غربية، مفادها السيطرة على مقدراتها وما حولها على الصعيدين السياسي والجغرافي. أن هناك التزامًا بحماية مصالح هذه الدولة، ودعمها في حروبها ضد محاولات تفكيكها بأي شكل من الأشكال.

وهذا ما تضمنه هذا الفكر ما بعد مطالبات (هرتزل) وصدور وعد (بلفور)، والهدف كان ما حدث في 1948 بإكمال مشروع الاستيطان وتهجير العرب الفلسطينيين أو إبادتهم، ما أدى إلى خمود المساعي الغربية بشكل ملحوظ في تهجير اليهود، والإبقاء على ما تبقى منهم كطبقات نفعية داخل جدران مجتمعاتهم، وكوسيلة دعم لمشروع دولة (إسرائيل) الاستعماري.

وعلمنة اليهود كان لها الدور الأساسي في ضمان تشربهم الفكر الإمبريالي، والسير على نهج الغرب في الطموحات الاستعمارية والترغيب في الأحلام التوسعية، وأن أرض العرب هي فرصة اليهود لتحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه في أوروبا.

وسيبقى التاريخ شاهدًا بيننا وبينهم على أن "أرضنا كانت سلعة بيعت واغتُصبت، ووضع الحدود بينها من لا حدود بينهم، وأن الدماء إن سفكت فقد وجب الثأر، وأن الأرض إن سُلبت فلا بدّ أن تعود".

ومن هنا كان لزامًا أن ندرك أن الخطابات العربية التي كانت ومازالت توجه إلى الغرب، لتوضيح الانتهاكات والمواثيق الدولية، لم ولن تكون وسيلة لكسر العقد الصامت مع الصهيونية، وأنها بمثابة مطالبات بأن يتخلّى صاحب الهدف عن هدفه، فالمستعمر لن يحطم خُطة بناها حجرًا على حجر، وأن الإبادة بأشكالها هي وسيلة نفعية، وليست موقفًا للتعاطف أو التأثر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.