شعار قسم مدونات

لا تعليم.. لأطفال تحت الركام والقصف!

حصة التعبير المدرسية يغُيّب عنها تلاميذ غزة قسرا تحت الأنقاض (الجزيرة)

من أكثر الأشياء التي كانت تأخذ جزءا كبيرا من تفكيري عند وضع خطتي الذاتية، ورؤيتي الخاصة كمعلمة للغة العربية، أن أجعل الكتابة أمرا ممكنا بالنسبة للطلاب في حصة التعبير، حيث يشكو كثيرون من شعورهم بالملل الناتج عن العجز في مواكبة الشرح النظري المقولب، لإنشاء فقرة أو نص صغير من عشر جمل أو أكثر.

لطالما استوقفتني هذه العلاقة الكئيبة بين الطالب وحصة التعبير، كآبة مصدرها أن المتعلم المسكين يبقى قلمه يرتجف بين يديه، لا يعرف من أين يبدأ، وما الذي يلي مقدمته الأولى؟ وكيف يخرج من جملة إلى أخرى؟ ومن أين يأتي بالفِكَر؟ وغيرها من التساؤلات المباحة لكل طالب وطالبة في مرحلة التعلم.. حصة التعبير كانت وما زالت من أصعب الحصص التي تشكل تحديا للمعلم بأن يخرج طالبه من دائرة العجز عن صياغة الجمل الممتدة المتضمنة للتصاوير والأخيلة، بأسلوب لغوي جميل بعيدا عن نمطية الجمل والأبنية اللغوية (المكلشهة)، التي ما زالت أساليب التدريس تتمسك بها.

هل تجاوزنا مسألة الحديث عن التعليم والدراسة وتوتر الاختبارات، التي حرم منها جيل كامل في غزة، لأننا نخشى أن كثيرا ممن كانوا يجلسون على مقاعد الدراسة رحلوا عن الحياة قبل أن تتهدم مدارسهم

هل من الطبيعي مرور عام على أطفال غزة دون تعليم؟

وعلى خط موازٍ، وصورة على جانب آخر من جوانب تفكيري هذه الأيام، تتراءى صورة مدارس غزة المهدمة، ومقاعدها التي لم تعد تحمل حتى جثث من كانوا يجلسون فوقها. ومع استعداد العام الدراسي الحالي لجرد حسابه التعليمي، وتقويم ما اكتسبه الطلاب فيه، واستظهار ما تعلموه، وحالة النفير التي تجتاح البيوت وقت الاختبارات، يقف هناك خلف معبر مغلق بالشمع الأحمر مع الترصد والإصرار، ورغبة واضحة من (الضمير) العالمي أن يفنى من خلفه بأي طريقة متاحة، فإن لم تكن نيران القاصفات في أوج فاعليتها المطلوبة فلعل قرصات الجوع المتلاحقة وأمراض البيئة التي لوثتها رائحة الدماء تنشط وتتحمل مسؤوليتها، فليس من المعقول أن يترك أمر إبادة شعب بهذا الإصرار والثبات إلى ما يتناثر من حمولة القاصفات.. يقف خلف ذلك المعبر جيل من التلاميذ، بعضهم كان يستعد لإنهاء مرحلة المدرسة، والبعض كان ينتظر دخول تلك المرحلة بعد إتمام أعوامه الست في هذا العالم، وبعضهم وبعضهم.. فالحكايات كثيرة، والأمثلة غير قابلة للحصر.

هل من الطبيعي أن يمر عام دراسي على أطفال أي بقعة في هذا العالم دون مدرسة وكتاب ومقلمة وألوان، وحفظ جدول الضرب، وممارسة الرياضة في طابور الصباح، وانتظار وقت الفرصة (الفسحة) لتناول أطعمتهم واللعب حتى آخر لحظة قبل دق جرس العودة إلى الفصول؟!. هل تجاوزنا مسألة الحديث عن التعليم والدراسة وتوتر الاختبارات، التي حرم منها جيل كامل في غزة، لأننا نخشى أن كثيرا ممن كانوا يجلسون على مقاعد الدراسة رحلوا عن الحياة قبل أن تتهدم مدارسهم، ويختلط ركام المقاعد مع ردم السور المدرسي الذي كان يحميهم ويحضنهم ويجمعهم؟

عام دراسي يلملم نفسه بحرج بعد أن تغافل الجميع عن تلاميذ غزة، الذين ظلوا طوال الشهور المنصرمة يتشبثون ببقايا وريقات ممزقة من كتبهم وحقائبهم، ويفرحون إن استطاعوا تخليص دفتر الرسم وبقايا قلم ملون من أنقاض بيوت لم تسمح بنجاة من تحتها فهل تسمح لكتاب أن ينجو؟. عام دراسي حزين حتى لو أقام بعضنا حفلات التخرج وكافأ أبناءه بهدايا التفوق، ستبقى صورة تلك المعلمة التي حولت الخيمة إلى فصل دراسي شاهدة على أننا أشحنا وجهنا عن جيل كامل أرادوا فقط أن يُبقوا له مدرسة يتعلم فيها معاني {والقلم وما يسطرون}.

ارتاد طلاب فلسطين منذ النكبة الأولى مدارس الوكالة، والتهموا العلم كأنه لا يوجد قوت غيره لشعب لا أمل له إلا في نبوغه وعقله ومهاراته، فكان التعليم خيارا وحيدا لبعض النجاة، وكان ملاذا لأجيال فقدت الوطن ولكنها عرفت أن الكتاب والقلم أوطان أيضا

تعليم الوكالة

تم إنشاء وكالة الغوث بعد اغتصاب فلسطين لتقوم بالطبطبة على الضمير الإنساني وخاصة الغربي، ومحاولة تلميع الصورة الشاحبة لواقع فقد ملامح الحياة البسيطة المعتادة يوم فقد خريطة الأرض، والتبس الوطن على أصحابه ما بين تقسيمات وترقيمات، فهذه تتبع الرقم الثامن بعد الأربعين، وتلك الرقم السابع بعد الستين، وبينمها متشابهات ومختلفات من خطط الكيانات الهجينة الجديدة التي سميت مستوطنات.

ارتاد طلاب فلسطين منذ النكبة الأولى مدارس الوكالة، والتهموا العلم كأنه لا يوجد قوت غيره لشعب لا أمل له إلا في نبوغه وعقله ومهاراته، فكان التعليم خيارا وحيدا لبعض النجاة، وكان ملاذا لأجيال فقدت الوطن ولكنها عرفت أن الكتاب والقلم أوطان أيضا.. عندما أفاق الكيان على تلك الصفعة (الأكتوبرية) التي هزت ما ظن أنه أصبح حقائق دامغة، أفاق على حقيقة أوجعته.. أن هذا الجيل سيحاربه بعلمه وعقله وذكائه، فانبرى كالمجنون يكيل الاتهامات لوكالة عالمية أنشئت للتغطية على جرائمه بحق أصحاب الأرض.

اليوم تم قصف المدارس التابعة لوكالة الغوث فيما تم قصفه، ليحرم تلاميذ غزة من الملاذ الوحيد الذي كان ينعشهم، وكفعل احتياطي استهدف المحتل أطرافهم فبُتر الكثير منها، فلم تعد اليد قادرة على الإمساك بالقلم، ولا الأقدام موجودة ليسيروا بها إلى ما تبقى من ركام مدارسهم.

جيل كامل من تلاميذ غزة لن يحتفلوا هذا العام بشهادة التفوق، جيل كامل لن يتمكن من الذهاب إلى الجامعات، وجيل من الأطفال لن يفرح بالصف الأول، ولن يبكي في يومه الدراسي الأول خوفا من العالم الجديد المسمى مدرسة.. جيل غزي بلا تعليم، ودون أقلام وكراسات، فمن يكترث؟!

حصة التعبير المدرسية، التي غُيّب عنها تلاميذ غزة قسرا، نرى عوضا عنها دروسا حية وموضوعات تعبيرية متجسدة في رحلة النزوح، ورسالة إلى عالم فقد ضميره وانطمست إنسانيته، ووصف لطبيعة الموت التي تلاحق أولئك التلاميذ

حصة التعبير الغائبة

ربما كان طلاب غزة من أكثر الطلاب في العالم حبا لحصة التعبير، هكذا أخمن وأنا أسمعهم عبر الشاشات يتكلمون عن الحرب، التي غيرت أشكالهم وحرمتهم ألعابهم وسرقت كتبهم، من يستطيع وصف ما حدث لعائلته من مجزرة أمام عينيه لن يعجز عن وصف طبيعة خلابة، أو رحلة إلى حديقة الحيوان، أو كتابة رسالة إلى صديق، أو غير ذلك من مواضيع التعبير، التي يصر واضعوا المناهج أنها تعلم التعبير الحقيقي، وتمكّن التلميذ من ملكة الإبداع والكتابة.

حصة التعبير المدرسية، التي غُيّب عنها تلاميذ غزة قسرا، نرى عوضا عنها دروسا حية وموضوعات تعبيرية متجسدة في رحلة النزوح، ورسالة إلى عالم فقد ضميره وانطمست إنسانيته، ووصف لطبيعة الموت التي تلاحق أولئك التلاميذ، وتحرمهم من حياتهم بعد أن حرمتهم أقلامهم وكراساتهم.. فإن لم يكن هناك دفتر للتعبير، فهناك لوحة ممتدة على الأرض متاحة تماما لرسم الصور، واستنطاق كل ما يلف هذا الحزن المخيم في قلوب الصغار، اللامع في عيونهم.

أفيحتاج أطفال غزة إلى من يعلمهم التعبير، أم نحتاج نحن أن نتعلم منهم دروسا عن كل شيء؟ فنحن أميّون تماما أمام هؤلاء العلماء!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.