شعار قسم مدونات

التحول الرقمي في ظل الأزمات الاقتصادية

يشير التحول الرقمي إلى دمج التكنولوجيا الرقمية لإعادة هيكلة العمليات وإعادة تصور المنتجات والخدمات في جميع مجالات الأعمال (مواقع التواصل)

تتسابق الأحداث في العالم اليوم لصورة لم يسبق لها مثيل وما بين، حرب هنا وأزمة اقتصادية هناك تلعب التكنولوجيا العصرية الدور الأبرز في صناعة ملامح المرحلة المقبلة. ضمن ما يعرف باسم التحول الرقمي أو "digital transformation" وهو ما بشرت به الدول قبل مرحلة كورونا والأزمات التي تلتها، وخبا ناره لفترة وجيزة، ولكنّه لا زال يمثل العمود الفقري للمستقبل بكل تجليّاته.

ولكن، ما هو التحول الرقمي، وكيف من شأنه أن يساهم في بناء مستقبل أبهى؟

ببساطة، يشير التحول الرقمي إلى دمج التكنولوجيا الرقمية لإعادة هيكلة العمليات وإعادة تصور المنتجات والخدمات في جميع مجالات الأعمال. يفوق هذا المفهوم مجرد استخدام أدوات تقنية جديدة، بل يتطلب إعادة تفكير عميقة في طريقة سير العمل. فهو رحلة شاملة تتطلب تغيير الثقافة والمهارات والنماذج التشغيلية لتحقيق التكيف مع العصر الرقمي.

إن رحلتنا في هذه الحياة مع التكنولوجيا التي باتت تخترق كل جوانب حياتنا الفردية والمؤسسية والعامة، هي رسالة لعقولنا بأن المرحلة المقبلة هي مرحلة التفاعل السريع مع تكنولوجيا نوعية، ستسهل على من يتعاطى معها إدارة شؤونه ومتطلبات مؤسساته وضرورات الواقع مهما اختلفت.

 التحول الرقمي الذي بات منهج تعامل يومي مع الجهات والمؤسسات الدولية والعالمية والشركات الكبرى سيفرض نفسه بقوة في واقعنا المأزوم

إن الوعي الحقيقي لهذه المسألة يحتم علينا أن نكون جاهزين لاستقبال هذا الكم من التكنولوجيا العصرية الحديثة، والقدرة على التعامل معها وتأهيل العاملين في كل مؤسساتنا العامة والخاصة ليكونوا مستعدين للتعامل مع تحديات لم يألفوها من قبل، فهذه التكنولوجيا العصرية التي باتت تدخل في صلب العمل الإداري والأرشفة والعلاقات الدولية والتجارة الإلكترونية والتسويق وبناء الشراكات وإبرام العقود.

وحتى في رسم الهيكليات الداخلية للمؤسسات والشركات والمنشآت مهما كان حجمها، وهو ما يعني ثورة حقيقية  في مجال بناء المؤسسات وصناعة هويتها، وقدرتها على الاستمرار في ظل التحديات الاقتصادية الجاثمة حتى الوصول إلى المألوف في العمل الإداري.

وفي ظل العاصفة التكنولوجية التي تجتاح العالم اليوم، سيؤدي ذلك إلى انكماش الأداء الخاص بكل شركة تقنع نفسها بأن الابتعاد عن التكنولوجيا الرقمية قد يعفيها من متطلبات المستقبل، أو تلك الشركات التي ترفض هذه الفكرة من حيث مبدأ.

فالتحول الرقمي الذي بات منهج تعامل يومي مع الجهات والمؤسسات الدولية والعالمية والشركات الكبرى سيفرض نفسه بقوة في واقعنا المأزوم وبالتالي ستقترن حالة الثبات والاستمرارية لكل شركة من الشركات بمدى استجابتها لتطورات العصر ومحفزاته، وبقدرتها على التأقلم مع جديد المعرفة وجديد التكنولوجيا وجديد البرامج وحداثة منهجيات التفكير والتنفيذ.

 

سهم التحول الرقمي في تحقيق التنمية المستدامة عبر تعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتطوير حلول تكنولوجية صديقة للبيئة، وتشجيع الابتكار في مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة والرعاية الصحية.

يفوق تأثير التحول الرقمي الحدود التقليدية للشركات ليشمل تعزيز التعاون والتواصل داخل المؤسسات. وتتيح الأدوات الرقمية مثل الحوسبة السحابية والمنصات التعاونية للعمل الجماعي أن يتم بشكل أكثر فعالية، بغض النظر عن التباعد الجغرافي.

وهذا ليس من شأنه تحسين الإنتاجية فحسب، بل يسهم أيضا في جذب المواهب من مختلف أنحاء العالم، مما يعزز التنوع والإبداع داخل الفرق.

على الصعيد الأوسع، يسهم التحول الرقمي في تحقيق التنمية المستدامة عبر تعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتطوير حلول تكنولوجية صديقة للبيئة، وتشجيع الابتكار في مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة والرعاية الصحية. كما يدعم بناء اقتصادات رقمية قوية قادرة على المنافسة في السوق العالمية، من خلال تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى أسواق جديدة وتقديم خدمات ومنتجات متميزة.

إن رسالة اليوم من خلال هذه الكلمات الموجزة هي لكل صاحب شركة يهمه مستقبل شركته، وهي من باب أولى للمجاميع والاتحادات والنقابات التي تحتضن أكبر كم من الشركات والمؤسسات، فالمسؤولية هنا فردية وجماعية، وانشغالنا بأمور جزيئة أو بقضايا روتينية أو بملفات لا تنهض بواقع المؤسسات، يعني أننا نحكم مسبقا على قطاع واسع من الشركات الحية بالموت والفناء.

فالتحول الرقمي ليس مجرد وجهة نحتذي لها، إنما هو رحلة مستمرة لا بد من خوضها.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.