شعار قسم مدونات

الانتخابات الرئاسية في تونس.. ويتواصل الغموض!

الشارع التونسي يعزف عن الانتخابات وسط أزمة معيشية صعبة/شارع الحبيب بورقيبة/العاصمة تونس/يناير/كانون الثاني 2023 الجزيرة نت
عدد من السياسيين أعلنوا نيتهم الترشح لمنافسة قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية المقبلة (الجزيرة)

بدد الرئيس قيس سعيد كل الشكوك حول إقامة الانتخابات الرئاسية سنة 2024 من عدمها، بعد أن أعاد التأكيد خلال إحيائه الذكرى 24 لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة يوم 6 أبريل الماضي على احترامه جميع المواعيد الانتخابية التي تم الإعلان عنها سابقا، إلا أن الجدل بقي قائما في الساحة السياسية التونسية بسبب عدم تحديد موعد نهائي للانتخابات الرئاسية.

وكان الرئيس سعيد أكد في فبراير الماضي، خلال لقائه فاروق بوعسكر رئيس الهيئة العليا للانتخابات، "أن الانتخابات الرئاسية التونسية ستجرى في موعدها". وقد أعاد بوعسكر، في ندوة صحفية إثر ذلك اللقاء، أن الانتخابات الرئاسية "ستجرى في موعدها بين سبتمبر وأكتوبر المقبلين"، دون تعيين يوم محدد وهو ما أبقى باب الجدل مفتوحا حول سبب هذا الغموض.

وكانت العديد من الأصوات المعارضة، عبرت سابقا عن تخوفها من ألا تجرى الانتخابات الرئاسية سنة 2024، أي بعد انتهاء عهدة الخمس سنوات التي نص عليها دستور سنة 2014، على أساس أن قيس سعيد أقر سنة 2022 دستورا جديدا، وهو ما قد يجعله يعيد حساب العهدة.

انتقد سعيد إعلان عدد من السياسيين نيتهم الترشح للانتخابات قائلا إنه (لا يمكن لأي مرشح التنافس وسط مجموعات ترتمي في أحضان الخارج).

وفي هذا الصدد، دعا أحد الصحفيين قيس سعيد أن يوضح حال إعلان ترشحه أنها ستكون عهدته الثانية والأخيرة، حتى يحسم الجدل حول استغلاله تغيير الدستور لزيادة عدد سنوات الحكم، خصوصا بعد تصريحه أنه يخوض "حرب بقاء أو فناء من أجل هذا الوطن" وأنه "لن يسلم بلاده لأشخاص غير وطنيين". ومع ذلك، لم يعلن قيس سعيد إلى الآن نيته الصريحة الترشح من عدمه، رغم تأكيده أنه "ثابت على العهد من أجل تطهير البلاد من الذين عاثوا فيها فسادا في كل مكان ولن يتم التراجع إلى الوراء".

وانتقد سعيد إعلان عدد من السياسيين نيتهم الترشح للانتخابات قائلا إنه "لا يمكن لأي مرشح التنافس وسط مجموعات ترتمي في أحضان الخارج". وأثارت هذه التصريحات شكوك بعض المراقبين حول اعتزام النظام تغيير القانون الانتخابي قبل بضعة أشهر من الانتخابات خصوصا بعد تأكيد عدد من المعروفين بقربهم من الرئيس نية هذا الأخير إضافة شرط الإقامة بتونس لقطع الطريق أمام المترشحين المقيمين بالخارج.

وكان عدد من السياسيين أعلنوا نيتهم الترشح لمنافسة قيس سعيد في الانتخابات المقبلة، من بينهم رؤساء أحزاب مسجونين دون أحكام نهائية وآخرون مقيمون بالخارج. وقد أثار عدد ممن أعلنوا ترشحهم تخوفهم من عدم تكافؤ الفرص بينهم وبين قيس سعيد حال إعلان ترشحه، خصوصا من خلال التغطية الإعلامية. إذ قامت السلطات التونسية بتحجيم دور الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري وسحب صلاحيات مراقبة التغطيات الإعلامية للانتخابات منها لصالح هيئة الانتخابات.

وقد حذرت الأخيرة عددا من المؤسسات الإعلامية أثناء تغطيتها للانتخابات التشريعية والإقليمية ورفعت دعاوى قضائية ضد عدد من السياسيين الذين انتقدوها في وسائل الإعلام.

راسل الاتحاد الدولي للصحفيين الرئيس التونسي سعيد، في يناير الماضي، ودعاه إلى ممارسة صلاحياته لفرض احترام الدستور وحماية الحريات الصحفية، وحذر من تحويل البلاد إلى سجن كبير للصحفيين

وفي هذا الصدد، أعلنت نقابة الصحفيين التونسيين، في فبراير الماضي، تعليق تنسيقها مع هيئة الانتخابات، على خلفية إشعار صدر من الأخيرة، بخصوص مقال رأي نشره موقع "نواة" الإخباري، تناول "توظيف القضاء خدمة للسلطة السياسية". فقد اعتبرت هيئة الانتخابات أن المقال "خرق واجب الحياد، وأورد أخبارا زائفة قد تضلل الناخبين".

كما راسل الاتحاد الدولي للصحفيين الرئيس التونسي سعيد، في يناير الماضي، ودعاه إلى ممارسة صلاحياته لفرض احترام الدستور وحماية الحريات الصحفية، وحذر من تحويل البلاد إلى "سجن كبير للصحفيين"، بعد تكرر سجن الصحفيين بسبب ممارستهم لعملهم الصحفي.

هذا الوضع جعل الإعلاميين في تونس في ارتباك حول التعاطي الإعلامي للانتخابات، ما دفع بعض وسائل الإعلام إلى عدم تغطية المواعيد الانتخابية السابقة، بينما فضلت أخرى التعامل بحذر شديد حتى لا تقع تحت طائلة العقوبات.

يعتبر المنتقدون لنظام قيس سعيد أن النموذج الاقتصادي للبلاد لا يزال دون إصلاح، وأن هناك تناقضا بين الإنجازات الاقتصادية الرسمية والواقع اليومي للشعب التونسي

ويعتبر العديد من المراقبين أن التحدي الأكبر أمام المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية، بما في ذلك قيس سعيد نفسه، هو الوضع الاقتصادي لتونس. فقد أعلن المعهد التونسي للإحصاء مؤخرا أن نسبة النمو في تونس لم تتجاوز سنة 2023 مستوى 0.40%، إلا أنه، وبحسب البيانات الحكومية، فقد تم تخفيض الدين الخارجي دون اللجوء إلى القروض الدولية، كما أن مناخ الأعمال أصبح إيجابيا "أكثر من أي وقت مضى"، وهو ما ساهم في تحسين الوضع الاقتصادي.

في المقابل يعتبر المنتقدون لنظام قيس سعيد أن النموذج الاقتصادي للبلاد لا يزال دون إصلاح، وأن هناك تناقضا بين الإنجازات الاقتصادية الرسمية والواقع اليومي للشعب التونسي. فقد أشار رئيس الاتحاد العام التونسي للشغل -أبرز نقابة عمال في تونس- نور الدين الطبوبي، إلى أن قدرة الدولة على خدمة ديونها الخارجية في عام 2023، كانت على حساب الشعب وأدت إلى نقص في السلع الأساسية.

أمام كل هذه التحديات، مازالت المعارضة التونسية مشتتة بين من يرى جدوى في المشاركة قد تقود إلى مفاجأة تعيد تشكيل المشهد السياسي، ومن يرى في ذلك تزكية مجانية لما يعتبرونه انقلابا يجب أن تتم مقاطعته جذريا. لتُبقي الانتخابات الرئاسية لسنة 2024 على غموضها على جميع الأصعدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.