شعار قسم مدونات

هجمات ذكرى أليمة!

جامعة صنعاء اليمنية الحكومية -
جامعة صنعاء اليمنية الحكومية (الجزيرة)

خرجت من سكني إلى المكتبة القريبة، عند كلية الطب البشري في جامعة صنعاء، كان الوقت يداني الغروب.

يصيبني إحساس غامض في تلك الساعة دائما، أشياء تتحرك في نقاط عميقة من الروح، تبدو الأشعة المتدفقة من قرص الشمس المتحدر مثل ماء الذهب، تبدو الشمس في غاية الجمال والحزن أيضاً، تشبه حسناء تمشي مرتحلة بثيابها الطويلة وجدائل شعرها الذهبية المنسدلة، تبدو كما لو كانت تتثاءب وتشعر بالملل، وتفرك عينيها الجميلتين ببراءة.

كان محمد آدم يقوم بعملية القتل باستخدام السكاكين الحادة التي تستخدم في التشريح.. يقوم بتقطيع أجزاء الجسد إلى قطع صغيرة، ثم يذيب تلك القطع باستخدام محاليل قوية موجودة داخل معمل التشريح وتستخدم لأغراض طبية

مشيت بالقرب من مبنى الكلية.. مبنى عملاق وقديم، كان يشبه في تلك اللحظة كنيسة تاريخية مهجورة، وقفت ساهما أحدق في الجدران وعليها أشعة الشمس المغادرة، شعرت بأطياف تحلق في المكان، أطياف الراحلين، الأطباء الذين رحلوا وخلفوا ذكرياتهم وقصصهم الغامضة في هذا المكان القديم.. ثم مرت على خاطري قصة فني التشريح السوداني محمد آدم، الذي كان يعمل في معمل التشريح التابع لكلية الطب.

حدثت القصة المرعبة داخل هذا المبنى في نهاية التسعينيات، قتل فيها 16 طالبة من طالبات كلية الطب! كان محمد آدم يقوم بعملية القتل باستخدام السكاكين الحادة التي تستخدم في التشريح.. يقوم بتقطيع أجزاء الجسد إلى قطع صغيرة، ثم يذيب تلك القطع باستخدام محاليل قوية موجودة داخل معمل التشريح وتستخدم لأغراض طبية.. كان يقتل بدون أي دافع، يقتل لمجرد القتل وحسب كي يشعر باللذة، وهذا هو السفاح.. يقشعر الجسد بمجرد التحديق في ذلك المبنى، وتذكر تلك القصة المأساوية.

كنا قد تناقشنا مع الدكتور المشرف علينا حول أهمية وجود مادة التشريح العملي ضمن برنامج قسم الجراحة.. كنا في مبنى كلية طب الأسنان، مبنى واسع وحديث، لكنه لا يحمل أي قصص قديمة أو ذكريات، لم تمض أكثر من خمس سنوات على افتتاحه. أخبرنا الدكتور المشرف بأن أحد الآباء أتى ومعه طفل ميت.. كان ابنه، وضع الطفل أمامهم، وأخبرهم بأنه يريد التبرع بجثته لصالح المشرحة كي يتعلم طلاب الطب التشريح؛ إلا أن رئيس الجامعة لم يوافق، وأخبره أن معمل التشريح مغلق منذ عام 2001، منذ أن تكشّفت الحادثة المريعة، المتعلقة بالسفاح المتسلسل محمد آدم.

في عام 2001 تم تنفيذ حكم الإعدام بحق أخطر قاتل متسلسل قبضت عليه السلطات المحلية، بعد اعترافه أمام المحكمة بجرائم قتل بالوحشية بنفسها في عدة بلدان قبل أن يأتي للعمل في اليمن

عدت من المكتبة مع الغروب، جلست في غرفتي، فتحت النت، وشدني الفضول لأقرأ عن تفاصيل تلك الجريمة.. في التعليق على فيلم قصير يروي القصة علقت إحداهن: "الله يرحمك يا فاطمة".. كانت فاطمة إحدى الضحايا، تساءلت في نفسي إلى أي مدى تركت تلك القصة أثرا في ذاكرة تلك المرأة الأربعينية، أعني الدكتورة التي كانت تتعلم في تلك المشرحة علوم الطب قبل عشرين عاما وفقدت صديقتها؟ لم ترَ حتى جثمانها، لقد قطّعها محمد آدم إلى أشلاء ثم أذابها في محاليل كيميائية مركزة، وسكب محاليل جسدها في أنابيب الصرف الصحي، كما كان يفعل بصمت مع كثيرات.

تذكرت مبنى كلية الطب وأنا جالس لوحدي ليلا أقرأ وأذاكر، تخيلت معمل التشريح، تخيلت الطلاب والطالبات ببدلاتهم يمرقون من الممرات، تخيلت أصوات قهقهات آتية من أماكن متفرقة، ثم تخيلت صورة محمد آدم وهو يضحك بفتور، وينتظر فريسته التالية.

في عام 2001 تم تنفيذ حكم الإعدام بحق أخطر قاتل متسلسل قبضت عليه السلطات المحلية، بعد اعترافه أمام المحكمة بجرائم قتل بالوحشية بنفسها في عدة بلدان قبل أن يأتي للعمل في اليمن، من ضمنها قتل وتقطيع 11 فتاة في بلاده السودان، وجرائم أخرى في الكويت وتشاد وأفريقيا الوسطى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.