شعار قسم مدونات

انشغال الأمة.. والنخوة المتعثرة

وزعت منظمة خيرية وجبات ساخنة على الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى مدينة دير البلح (وسط) جراء هجمات الجيش الإسرائيلي المستمرة منذ أشهر على قطاع غزة. ( Ashraf Amra - وكالة الأناضول )
ارتفاع نبرة النداءات المستمرة من قبل المنظمات العالمية الإنسانية والحقوقية المنددة بخطورة الأوضاع الإنسانية في غزة (وكالة الأناضول)

في كل يوم وفي كل لحظة من لحظات الخلاف المحتدم بين مكونات القومية الإسلامية، بدءًا من تقاطعاتها المذهبية وتشظياتها الطائفية، وليس انتهاءً باختلاف مطالع الأهلة لديها، مرورا بثورة الانفتاح على ثقافة التطبيع وتكوين التحالفات المناهضة لأي شيء يحرر الإنسان من ربقة التبعية، ووقوفًا على حالة الانشغال المبنية على صمت مطبق يحير العاقل لما يحدث من سفك للدماء، وتجويع للإنسان، على مرمى حجر من موائد ممتدة بما لذ وطاب، وأسلحة تحمي الديار والصبيان.. بذلك جزئيا أو كليا تنشأ تساؤلات محيِّرة.

إن التساؤلات المليئة بعلامات التعجب لم تبرح مكانها، وإنما متجددة بتجدد السلوك الهمجي والانتهاكات الصارخة لإسرائيل على أراضينا المقدسة، ومتعمقة بتعمق السكون المفتعل من قِبل مَن يُنتظر منهم إغاثة الملهوف، فهي استفهامات تختلط مع واقع المسرح السياسي (المنظم)، الذي لم يسجل حتى اللحظة أي شيء يذكر تجاه الطفلة التي ماتت جوعًا، والشيخ الذي قتل غيلةً، والثكلى التي شُطر قلبها، والجماعات التي هجّرت قسرًا، فالأنظمة وساساتها دسّوا رؤوسهم في رمال الطاعة الغربية، باحثين عن آمال وطموحات خاصة جدًا، فلم تدرج قضية الشرف في أولويات انشغالهم، أو ضمن رُؤاهم وخططهم الاستراتيجيّة.

المخططات تتبلور بقوة خاصة بعد شماعة الإغلاق، التي علّق عليها الجانب العربي بأن الظروف السياسية غير مواتية لفتح معبر رفح، تحت ذريعة وجود قوات الاحتلال، وهذا يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة التجويع والوقوف باستماته ضد إدخال المساعدات الإغاثية

هناك، وتحت ستار القوى العظمى، ومع استمرار القصف الإسرائيلي على غزة ورفح، ومداهمات طالت معظم القرى الفلسطينية، وغطرسةٍ سياسيةٍ نادت بالتهجير والإبادة بشتى صنوفها، تتجه الأنظار -وبحسب اتفاق جميع التحليلات السياسة- إلى تنفيذ مخطط إلغاء معبر رفح، واستحداث معبر جديد يشدد الخناق على غزة، إلى جانب التحوّل إلى معبر كرم أبو سالم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، درءًا للانتقادات الدولية؛ وذلك ضمن منهجية عزل القطاع بأكمله عن العالم، وإحكام السيطرة على المنافذ والمعابر التي تُعتبر المتنفس الأهم لدى سكان القطاع؛ بغية إجبار المقاومة على الاستسلام والرضوخ للاملاءات والشروط الأمريكية والإسرائيلية.

تلك المخططات تتبلور بقوة خاصة بعد شمّاعة الإغلاق، التي علّق عليها الجانب العربي بأن الظروف السياسية غير مواتية لفتح معبر رفح، تحت ذريعة وجود قوات الاحتلال، وهذا يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة التجويع والوقوف باستماته ضد إدخال المساعدات الإغاثية، مع ارتفاع نبرة النداءات المستمرة من قبل المنظمات العالمية الإنسانية والحقوقية المنددة بخطورة الأوضاع الإنسانية في غزة، والتي لَمَّا تجد أي أذن صاغية بعد.

في الجانب الآخر الذي ليس ببعيد، تشتد تحركات وضربات الجنوب اللبناني تجاه إسرائيل كردة فعل عسكرية تجاه ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة، وتحتدم المناوشات الحدودية، وليس آخرها عملية هدهد حزب الله وضربات حماس، وبالتأكيد.. تلك التحركات تتماشى مع الجبهات الأخرى في سوريا والعراق، التي تأتي خجولة نظرًا لطبيعة الأوضاع السياسية الصعبة، والتي تستخدمها أميركا كورقة ضغط تجاه تلك الجبهات لتقويض مبدأ الوقوف مع قطاع غزة وما يحدث في فلسطين.

إلى جانب ذلك تبرز جبهة اليمن التي لعبت دورًا محوريًا في إنهاء فكرة السيطرة الأورو-أميركية على المسارات البحرية، ودفعت ببصيص أمل نحو الشعور بالقومية الإسلامية، وفضح المتصهينين العرب الذين يمولون إسرائيل من أموال الفقراء، باعتبارهم العنصر الفاعل في التحالف الجديد، وهم ذاتهم المنشغلون عن واقع القضية الفلسطينية الذي يناصر فكرة المقاومة وإنهاء مسلسل التهجير والإبادة.

إن انشغال النخب السياسية بأموالهم وأهليهم، وطغيان الكِبر المولد للوهن والضعف، والابتعاد عن جوهر الواقع والمصير، أثر بشكل كبير في الانشغال المجتمعي الذي أصبح لا يَعرِف له مكانا أو موقفا واضحا تجاه مبدأ القضية المصيرية لقلب الشرق الأوسط

مع ذلك كله؛ يتوالى مسلسل الانشغال عن فلسطين، منذ القرن التاسع عشر الميلادي إبان الدولة العثمانية ودخولها في مرحلة الضعف -أو مرحلة الرجل المريض كما وصفت- وحتى اللحظة، وفق تقسيمات الدول الحديثة ومساراتها، التي لم تخرج من نخوة متعثرة تدور حول حماها المرقوع بكثير من التنازلات والتحالفات المفضية إلى تقويض فكر المقاومة.

الأطماع الصهيونية التي لم تعد سرية، وهي التمدد من النيل إلى الفرات عبر التوسع في بناء التجمعات الاستيطانية التي بدأها روتشيلد عام 1883م، عبر شركة الاستعمار اليهودي في فلسطين، لتكبر فكرة "تل الربيع" أو تل أبيب فتكون عاصمة الكيان، وتصل إلى أبعد من ذلك، ويقيّض الله لنا أن نعيش فترة الانشغال حتى نرى بأم أعيننا ما يحدث من تجويع وحرب إبادة، يشترك فيها الأقرباء قبل الغرباء فتسقط ورقة التوت، ويحترق غصن الزيتون الذي يمتد تارة وينفصل تارات كثيرة.

إن انشغال النخب السياسية بأموالهم وأهليهم، وطغيان الكِبر المولد للوهن والضعف، والابتعاد عن جوهر الواقع والمصير، واستفحال مرض القلوب المغشية بالران، والعقول المزدوجة في التفكير عن فلسطين، والذي بات أقرب إلى أن يكون انشغالا ممنهجا ومتعمدا، أثر بشكل كبير في الانشغال المجتمعي الذي أصبح لا يَعرِف له مكانا أو موقفا واضحا تجاه مبدأ القضية المصيرية لقلب الشرق الأوسط؛ إلا ما رحم ربي من نداءات نسمع صداها ودويها على خجل.

بل حتى هذه النداءات الخجولة ما تلبث أن تذهب أدراج الرياح عند الإجراءات الأمنية المشددة، أو الدخول في مرحلة الإنهاك المتسلط الذي يوجه نحو المساومة على خبزه وأمنه، ناهيك عن أموال الفقراء التي تلملم ذل السؤال وترتبط في دورانها الديني؛ لتصل إلى وسيلة لشراء آلة عسكرية تهدد حياتهم وحياة الآخرين ضمن منظومة الجباية السياسية أو العيش بالمقابل.

وعلى شاكلة ذلك تخمة التنديد التي تفننت فيها الأنظمة المستحكمة (داخليا)، وجاءت في شكل بيانات واستنكارات وشجب لم تغن شيئا، ولم يصاحبها قرار سحب أو إغلاق دبلوماسي، أو حتى إجراء فض شراكات فوق الطاولة وأسفلها، فهذه التنديدات ما تلبث أن تخفت، خاصة إذا ما تحدثنا بصوت ميزان القوى، أي تلك التي تمتلك الكلمة والحضور بثقلها التاريخي القديم، وضعفها الجديد المتواري خلف أحجبة الحياء السياسي، نظير حفنة من دولارات تثبت مسامير الحكم المتهالك والمتقاطر؛ خنوعًا لمجريات تتقاطع مع المصالح الإنسانية لشعب يريد الحياة كغيره من الشعوب وفق الحقوق الكونية.

فرّط المسلمون بانشغالهم عن أحد المكانين الأقدس، اللذين من الواجب ألا ينفصل أحدهما عن الآخر، من حيث فكرة التعبد وتعظيم الشعائر حول تلك المقدّسات، ولعلّ هذا التفريط والانشغال مرده إلى مرحلة الانغماس، التي تلوث فيها المجتمع الإسلاميّ بثقافة الاختلاف

حتى منظمة التحرير -أو السلطة الفلسطينية- التي طال صمتها وانشغالها، لم تتقن حتى البكاء على اللبن المسكوب، بل إنها أزاحت الستار عن عدائها لحركات المقاومة الأخرى، لا سيما غريمتها (حركة حماس) التي لم تكن يومًا الثور الذي يؤكل كما أُكلت هي.

لقد فرّط المسلمون بانشغالهم عن أحد المكانين الأقدس، اللذين من الواجب ألا ينفصل أحدهما عن الآخر، من حيث فكرة التعبد وتعظيم الشعائر حول تلك المقدّسات، ولعلّ هذا التفريط والانشغال مرده إلى مرحلة الانغماس، التي تلوث فيها المجتمع الإسلاميّ بثقافة الاختلاف، والجنوح إلى فكرة التسليم بقائمة الاملاءات التي شابتها شوائب التكفير والبحث عن الذات بين أحضان الإمبريالية الغربية.

يقول الشيخ متولي الشعراوي: "أرى أن الأمة الإسلامية هي التي جرّأت خصومنا على إهانتنا، ولو أنها عرفت فينا حمية تقف أمام هذا الزور والبهتان لما اجترأت على ذلك، وأحب أن أستتيب أمتنا وأستتيب أمة الإسلام في كلّ الأقطار أن ترجع إلى أحضان ربها، إن أرادت أن ينصرها الله؛ لأنه تعالى قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المَنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون}.

إن رأينا جند الإسلام قد انهزم في أي معركة فاعلموا أن شرط الجندية قد اختل، اختل شرط الجندية في أُحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ومع ذلك نالهم ما نالهم من هزيمة، لم يشفع لهم في تخلف قانون الجنديّة عندهم أن رسول الله بينهم، ولم يُؤذَ رسول الله في معركة مثل ما أوذي في أُحد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.