شعار قسم مدونات

منع الحجاب في طاجيكستان وصراع الهوية!

يأتي القانون المثير للجدل بعد سنوات من القيود غير الرسمية على ارتداء الحجاب في البلاد ذات الأغلبية المسلمة (غيتي إيميجز)

من الغريب وغير المألوف أن ترى الشيء وعكسه في وقت واحد، ولكن هذا هو الحال الذي يعيشه مسلمو طاجيكستان منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا، فعندما نستيقظ في صباح أحد الأيام على وقع خبر حظر ارتداء الحجاب والاحتفال بعيدي الفطر والأضحى في دولة مسلمة وغالبية سكانها من المسلمين، حينذاك تبدأ علامات الدهشة والتعجب في الحضور سريعًا، لكنها ما تلبث أن تزول رويدًا رويدًا حين تتكشف الحقيقة التي كانت تتخفى حول هذا القرار.

أصدر البرلمان في طاجيكستان قانونًا يحظر لبس "البرقع والنقاب" على النساء، مبررًا القرار بأنه محاولة لتشجيع الثقافة والتقاليد الوطنية في مواجهة الثقافة المستوردة، ومكافحة التطرف الديني

حظر الحجاب رسميًّا

منذ أيام قليلة، حظرت دولة طاجيكستان ارتداء الحجاب وغيره من "الأزياء الأجنبية"، حسب وصف الدولة، حيث أقر البرلمان قانونًا جديدًا ينظم "الملابس الإسلامية"، والاحتفالات بعيدي الفطر والأضحى. وتمت الموافقة على القانون من قبل المجلس الأعلى للبرلمان، الذي يسيطر عليه حزب الرئيس الطاجيكستاني "إمام علي رحمون"، الذي يحكم البلاد منذ عام 1992.

ويأتي القانون المثير للجدل بعد سنوات من القيود غير الرسمية على ارتداء الحجاب في البلاد ذات الأغلبية المسلمة. وبموجب القانون الجديد، سيواجه الأفراد الذين يرتدون "الحجاب أو الملابس الدينية المحظورة الأخرى" غرامات كبيرة تصل إلى 7920 سوموني (عملة طاجيكستان) – أي ما يعادل حوالي 740 دولارًا-؛ أما الشركات التي تسمح لموظفيها بارتداء "الملابس المحظورة حسب القانون"، فستواجه غرامات تصل إلى 39500 سوموني (3680 دولارًا). وسيغرّم الموظفون الحكوميون والقادة الدينيون المخالفون بغرامات أشد تصل إلى ما بين 54000 و57600 سوموني (5030 و5370 دولارًا).

كما أصدر البرلمان في طاجيكستان قانونًا يحظر لبس "البرقع والنقاب" على النساء، مبررًا القرار بأنه محاولة لتشجيع الثقافة والتقاليد الوطنية في مواجهة الثقافة المستوردة، ومكافحة التطرف الديني. وينص القانون على تغريم كل امرأة تلبس البرقع مبلغًا قدره 3500 ساماني (322 دولارًا).

كما يقيد القانون الجديد ويمنع مشاركة الأطفال في الاحتفالات، وتقاليد تبادل الهدايا المرتبطة بالأعياد الإسلامية، حيث سيتم حظر عادة "الإدغارداك"، وهي عادة مرتبطة بعيدي الفطر والأضحى، وتتمثل بقيام الأطفال في هاتين المناسبتين بجولة في الشوارع والتنقل بين البيوت لتقديم التهاني وتلقي الحلوى.

وفقًا للبيان فإن قانوني "تنظيم الاحتفالات والطقوس في جمهورية طاجيكستان" و"المسؤولية عن تعليم وتنشئة الطفل"، المعتمدين في نسختهما الجديدة، يهدفان إلى حماية القيم الحقيقية للثقافة الوطنية، ومنع الخرافات والأحكام المسبقة

مبررات السلطة الواهية

جاء في بيان المكتب الصحفي لرئيس الدولة أن رئيس البلاد "رحمون" وقّع على 35 قانونًا، بما في ذلك نسخة جديدة من القوانين المتعلقة بتنظيم الاحتفالات والطقوس، ومسؤولية الوالدين عن تعليم وتربية الأطفال، وحظر احتفالات الأطفال في الأعياد الإسلامية، وارتداء ملابس دخيلة على الثقافة الوطنية.

ووفقًا للبيان فإن قانوني "تنظيم الاحتفالات والطقوس في جمهورية طاجيكستان" و"المسؤولية عن تعليم وتنشئة الطفل"، المعتمدين في نسختهما الجديدة، يهدفان إلى حماية القيم الحقيقية للثقافة الوطنية، ومنع الخرافات والأحكام المسبقة، والتجاوزات والإسراف في إقامة الاحتفالات والطقوس، وذلك لرفع المستوى الروحي والاجتماعي والاقتصادي لشعب طاجيكستان، وحماية حقوق الطفل وحرياته، وتعليم وتربية الأطفال روح الإنسانية، والفخر الوطني واحترام القيم الوطنية.

وقد أشار "رحمون" في مارس/ آذار 2024 خلال اجتماع مع شخصيات عامة ودينية، إلى أن الملابس الوطنية تعكس القيم المادية والروحية لماضي الشعب، وتجعل من الممكن التعرف على الأمة من خلال شكل وأسلوب الملابس، مصرحًا بأن تقليد ثقافة دخيلة في اللباس كارتداء ملابس أجنبية مثل "الحجاب"، تشكل مشكلة للمجتمع الطاجيكي.

وأوضح "رحمون" أنّ الخروج عن آداب وطقوس اللباس هو بمثابة "غربة ثقافيّة تقوض استقلال الفكر والهوية الوطنية والثقافية للأمة"، مبررًا ادعاءاته بأن الملابس الوطنية الطاجيكية حظيت باعتراف عالميّ، بما في ذلك "منظمة اليونسكو" العالمية للتراث.

ذكرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية أن الشرطة في جمهورية طاجيكستان قامت في مطلع عام 2016 بحلاقة لحى 13 ألف رجل على أراضيها كخطوة لمواجهة "التطرف"، كما أجبرت أكثر من ألف امرأة على خلع الحجاب.

حرب قديمة جديدة

يمثل القانون الجديد تصعيدًا للقيود غير الرسمية في طاجيكستان على الملابس الإسلامية، فمنذ عام 2007 تم حظر الحجاب لطالبات المدارس والجامعات، وتمدد الحظر لاحقًا ليشمل جميع المؤسسات العامة، كما أن السلطات شجعت وما زالت تشجع بشكل غير رسمي حلقَ لِحى الرجال، حيث وردت تقارير عن قيام الشرطة بحلق آلاف اللحى للشباب قسريًّا خلال العقد الماضي.

وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان حظر الحجاب في طاجيكستان، باعتباره انتهاكًا للحرية الدينية داخل دولة مسلمة، يشكل المسلمون فيها أكثر من 90% من السكان.

ونقلت صحيفة الأوبزرفر البريطانية في مايو/ أيار عام 2015 عن مسؤول في وزارة العدل الطاجيكية قوله إنّ "رحمون" أمر برلمانه -الذي عادة ما يبصم على قراراته- بالنظر في مشروع قانون يمنع تسجيل الأسماء ذات الطابع العربي، وعلى رأسها اسم "محمد". وحسب القانون المتبع في البلاد منذ ذلك الحين، فإنه إذا أخفق والدا الطفل في تسمية مولودهما حسب القواعد التي فرضتها السلطة على المواطنين، فإن وزارة العدل تعد قائمة بأسماء مقترحة، خالية من الأسماء ذات الطابع العربي أو الإسلامي.

وذكرت صحيفة "إندبندنت" البريطانية أن الشرطة في جمهورية طاجيكستان قامت في مطلع عام 2016 بحلاقة لحى 13 ألف رجل على أراضيها كخطوة لمواجهة "التطرف"، كما أجبرت أكثر من ألف امرأة على خلع الحجاب.

وقد منح البرلمان في ديسمبر/ كانون الأول 2016 "رحمون" وعائلته حصانة مدى الحياة من الملاحقة القضائية، وأعطاه رسميًا لقب "زعيم الأمة"، و"مؤسس السلام والوحدة الوطنية في طاجيكستان".

أوعز "رحمون" لمجلس الإفتاء التابع للحكومة بإصدار فتوى تحرم على النساء الصلاة في المساجد، ثم بدأ بشكل غير رسمي بإصدار تعليمات للأجهزة الحكومية بإقامة برامج تلفزيونية، تنفر من ارتداء الحجاب وتحاربه

التاريخ يحكي

بعد إعلان طاجيكستان استقلالها في سبتمبر/ أيلول 1991، جرت انتخابات رئاسية في العام نفسه، وفاز فيها "الرحمن نبي ييف" بطريقة مثيرة، فخرجت ضده مظاهرات عارمة تتزعمها الجماعات الإسلامية، وترفض حكمه للبلاد، ثم تحولت الاحتجاجات إلى مظاهرات عنف؛ ليضطر الرئيس الطاجيكي خلال الأشهر الأولى من الاحتجاجات إلى الاستقالة، ويحل محله "أكبر شاه اسكندوف" كرئيس مؤقت، وهذا بدوره لم يلبث سوى بضعة أشهر، ليتصدر بعد ذلك الاسم البارز الذي لعب دورًا كبيرًا في قمع المظاهرات بدعم من روسيا "إمام علي رحمون"، الذي قام بقمع التظاهرات، وتحول الأمر حينها إلى حرب أهلية راح ضحيتها 100 مواطن طاجيكستاني.

نجح "رحمون" في إخماد المظاهرات، وأجرى تعديلات دستورية ليتمكن من مواصلة الترشح للرئاسة والبقاء في الحكم، ثم بدأ حربه على المظاهر الدينية في البلاد شيئًا فشيئًا، بحجة محاربة التطرف، حيث بدأ بإصدار قوانين دينية تمنع ممارسة العبادة وارتياد المساجد لمن هم دون 18 عامًا دون موافقة ذويهم، ثم حظر حزب "النهضة" الإسلامي، وهو الحزب المعارض الوحيد في البلاد، بحجة مشاركته في الانقلاب على نظام الحكم، ثمّ قام بتصنيفه كجماعة محظورة في البلاد.

وواصل رحمون استبداده فقام بتعيين نجله كرئيس للبرلمان، ثم قام بإصدار قوانين تحظر على أفراد الشعب الانتماء للجماعات الدينية التي سماها بـ "المتطرفة".

ولاحقًا أوعز "رحمون" لمجلس الإفتاء التابع للحكومة بإصدار فتوى تحرم على النساء الصلاة في المساجد، ثم بدأ بشكل غير رسمي بإصدار تعليمات للأجهزة الحكومية بإقامة برامج تلفزيونية، تنفر من ارتداء الحجاب وتحاربه.

وبعد ذهاب "رحمون" لأداء العمرة عام 2016 مع عدد من أنجاله وكبار رجال الدولة – وكانت رابع زيارة له لمكة-، خرج يخاطب الشعب قائلًا: "إن الحجاب والملابس السوداء التي ترتديها النساء لا علاقة لها بالتقاليد الطاجيكية، كما أن إعفاء اللحية للرجال أمر لا علاقة له بالدين، بل وكل المظاهر الخارجية لا علاقة لها بالدين، وأن محبة الله تكمن في القلب فقط".

وبعد عودته من رحلة العمرة فرض قيودًا شديدة على من يريد الذهاب للحج أو العمرة من المواطنين الطاجيكستانيين، في محاولة جديدة منه لقطع كل علاقة بين المسلمين وشعائرهم الدينية، وللحيلولة دون ممارستها بحرية ويسر.

كلمة أخيرة

هذا التضييق على الشعب في ممارسة شعائره الدينية، خاصة على المسلمين وفي بلد مسلم، قد يُدخل البلاد في أزمات عميقة لا طائل منها، ولا يمكن في مثل هذا الحال تصور أن تنتصر الدولة رغم قوتها في كسر علاقة الناس بالدين في بلد مليء بمثل هذه الشواهد التاريخية، التي فشلت فيها مثل هذه المحاولات، منذ أيام المغول والتتار وحتى الوقت الحاضر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.