شعار قسم مدونات

الممارسات السياسية وأنظمة الدول بين زمنين!

Gaslighting people and social Manipulator concept as a puppet master influencing a society on strings controlled by someone that manipulates and wants gaslighting in a 3D illustration style.
بعض المعارضين للانتخابات يكررون أنها تأتي بالأكثر شعبوية لكنها لا تصل إلى الأكفاء (شترستوك)

ذكر بعض الفقهاء من السلف أن أهل الحل والعقد يتضمنون رؤساء الجند والقضاة وبعض الموظفين التنفيذيين، ولكن الممارسات السياسية في التاريخ الحديث أثبتت أن مصلحة البلاد والعباد تقتضي إبعاد العسكر عن الساحة السياسية على نحو مطلق، وتفريغهم لحماية حدود البلاد، كما أن هناك ميلا عالميا إلى الفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية.

ضعف وعي الناس بأهمية الانتخابات يؤدي إلى انصرافهم عنها، فمن المهم أن يكون في وسع الناس الاختيار بين أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع أو أن ينصرفوا عنها بمحض إرادتهم.

وحيث إن دور أهل الحل والعقد لا يقتصر على اختيار الحاكم، وإنما يتعداه إلى مراقبة الحاكم وعزله، بل ومقاضاته عند اللزوم، لذا فإن فصل السلطات يصبح أساسيا.

بعض أهل العلم استشكل لديهم موضوع أن تحسم النتائج بناء على رأي الأغلبية، وجاء هذا الإشكال من بعض الآيات مثل: {إنْ تُطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله}، والآية {وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين}.. هذه الآيات تتوجه لمن يعادون الرسل ويرفضون قول الحق، ولكن الحديث هنا عن اختيار أشخاص يعتبرهم أكثر الناس أنفع للخلق في أمور دينهم ودنياهم. وأما رأي الأغلبية فلا قيمة له فيما فيه أحكام قطعية ثابتة، بل لا يجوز مطلقا طرح مثل هذه الأمور للاستفتاء.

الأنظمة التي تقوم على الانتخابات الحرة أكثر تمثيلا للشعب، ولكنها ليست براء من الخطأ، فالفقر يجعل شراء الأصوات متاحا للأغنياء، وكذلك فإن ضعف وعي الناس بأهمية الانتخابات يؤدي إلى انصرافهم عنها، فمن المهم أن يكون في وسع الناس الاختيار بين أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع أو أن ينصرفوا عنها بمحض إرادتهم.

هناك انتقاد دائم يوجه لكل من دخل الانتخابات من الإسلاميين، وهو أن منظماتهم الخيرية التي تقوم على إدارة شؤون الزكاة والصدقة والوقف تدعم المرشحين منهم، حيث تخلق لهم شعبية من خلال مساعدة المحتاجين.

تبدو المسألة للبعض وكأنها نوع من شراء الأصوات، وهذه المسألة يمكن السيطرة عليها، إذ ليس من الصعوبة الفصل بين العمل السياسي والعمل في المؤسسات الخيرية، يعني فصل العمل الخيري عن التجمعات التي تدخل باب العمل السياسي، وكذلك وضع ضوابط قوية وشفافة، تراقب إنفاق المال في الدعاية الانتخابية ومصادره، بحيث تمنع شراء الأصوات وخلط الأوراق.

الدول الملكية تحولت إلى ملكيات دستورية أو برلمانية، ويفسرها البعض بأنه في هذا النوع من الملكيات، الملك يملك ولا يحكم، فهو فقط يجيز ما يصدره البرلمان ومجلس الوزراء، ولكنه لا يتدخل أو يتحدث في السياسة مطلقا

الممارسات السياسية الحديثة استطاعت أن تتجاوز الحكم الأبوي، والحكم الأبوي يشبه نظام شيخ القبيلة، الذي يتصرف في حاجات قبيلته تصرف الأب مع أولاده، وله الكلمة العليا، وهو – مثل الأب في منزله- ليس عليه أن يلتزم بقرارات الأغلبية، إذ يطبق هنا مسألة "أنت ومالك لأبيك"، وهو محصن ضد العزل وما يشبهه.

ولذلك فإن الدول الملكية تحولت إلى ملكيات دستورية أو برلمانية، ويفسرها البعض بأنه في هذا النوع من الملكيات، الملك يملك ولا يحكم، فهو فقط يجيز ما يصدره البرلمان ومجلس الوزراء، ولكنه لا يتدخل أو يتحدث في السياسة مطلقا، وعندما يضطر إلى اتخاذ إجراء عنيف كحل البرلمان، أو الدعوة إلى انتخابات جديدة وحل مجلس الوزراء، فإنه لا يفعل ذلك من باب استعمال سلطات أبوية، ولكن من باب أن أغلبية الشعب أصبحت غير راضية عن الصراع بين البرلمان ومجلس الوزراء، والمناكفات التي تعطل سير أمور الشعب، حتى يغدو استمرارها مضر بالمصلحة العامة، وهنا يأتي تصرف الملك ممثلا لمصالح الشعب، لا مجرد انقلاب على نتائج الانتخابات.

ولم يحدث منذ استقرار أسلوب حكم الملكيات الدستورية أن أقدم الملك أو الملكة على عمل مما ذكرناه، فخوف دهاقنة السياسة من فتح الباب أمام الملك لمثل هذه القرارات، يجعلهم حريصين على ألا يتطور النقاش السياسي ليصبح صراعا كصراع الثيران، يضر بمصلحة الشعب.

أما الجمهوريات فإنها تقوم بتحديد مدة ولاية الرئيس أو مدة عمل البرلمان، فتمنع زيادة عدد ولايات الرئيس عن اثنتين، مجموعهما يزيد قليلا أو يقل عن عشرة أعوام، وهذا لعمري في الحياة بديع.. لنتخيل مثلا أن حكم الخليفة عثمان رضي الله عنه لم يتجاوز السنوات العشر، وبعدها غادر موقعه راضيا مأجورا مشكورا، إذن لما حدثت الفتنة، ولتم تداول السلطة بشكل سلمي، وما انتهينا إلى انقسام المسلمين إلى فريقين دمر صراعهما عبر العصور الكثير من إمكانيات العالم الإسلامي.

أما الدول التي مكث الرئيس فيها أكثر من عشر سنوات، ففي أغلبها ظهر أن أداء الحاكم قد تقهقر ليستنفد رصيده الشعبي الذي اكتسبه في السنوات العشر الأولى، وعندها حتى لو تكرر انتخابه، فإنما يحدث لأنه مع الوقت صار حليفا لأصحاب المصالح، ويمكن بسهولة تبين ذلك من مسيرة الأردوغانية وإنجازاتها المضطربة في السنوات الأخيرة، بعد مرور السنوات العشرة الأولى.

 

يدقق مجلس اللوردات في مشاريع القوانين التي وافق عليها مجلس العموم، ويراجع ويعدل بانتظام مشاريع القوانين الصادرة عنه، ويمكن للمجلس أن يؤخر مشروعات القوانين

بعض المعارضين للانتخابات يكررون أنها تأتي بالأكثر شعبوية، لكنها لا تصل إلى الأكفاء، ويعنون بهؤلاء مثلا العاملين في مراكز الأبحاث، والخبراء في الاقتصاد، ولذا فإن بعض الدول تتبع نظام المجلسين، المجلس الأول مثل مجلس اللوردات في بريطانيا، يختار الملك أفراده بعد محادثات معمقة مع مستشارين كثيرين، وبعضهم يدخله عندما يستوفي شروطا مخصوصة، أغلبها مبني على إنجازاته في العمل.

يدقق مجلس اللوردات في مشاريع القوانين التي وافق عليها مجلس العموم، ويراجع ويعدل بانتظام مشاريع القوانين الصادرة عنه، ويمكن للمجلس أن يؤخر مشروعات القوانين، ويجبر مجلس العموم على إعادة النظر في قراراته، في حين أنه غير قادر على منع تمرير مشاريع القوانين إلا في ظروف محدودة ومعينة.

أما المجلس الثاني فهو الذي يأتي بشكل كلي عن طريق الانتخابات، ويسمونه في بريطانيا مجلس العموم.

وحيث إن هذه المجالس كلها تأتي بناء على اجتهاد بشري، فإن ما يظهر أنه بحاجة للإصلاح يتم إصلاحه إما بالاستفتاء أو بقرار من الملك بناء على رأي المجلسين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.