شعار قسم مدونات

الغزيُّون.. أبطال خارقون أم بشر مثلنا؟

بإمكانيات متواضعة يتعامل الدكتور محمد أبو شعبان مع جرحى العدوان في مستشفى ميداني مجاور لمستشفى غزة الأوروبي جنوب قطاع غزة-رائد موسى-خان يونس-الجزيرة نت
بإمكانيات متواضعة يتعامل أطباء غزة مع جرحى العدوان جنوب القطاع (الجزيرة)

المعاناة مدعاة التعاطف، والعلاقة بينهما علاقة طردية، فكلما زادت المعاناة زاد التعاطف، وهذا الأصل في شعور الإنسان.

وعلى ذلك فمشاعر تعاطفنا مع شخص فقد أحد أطرافه تكون أعمق وأكثر حدة من تلك التي تكون مع شخص جُرح جرحا عاديا مثلا، ومشاعر تعاطفنا أيضا تتفاوت في حدتها بين أن تكون تجاه طفل أو شخص بالغ أو مسن، أو بين رجل أو امرأة.. حتى وإن كان المصاب ذاته لهم جميعا؛ والسبب هو اختلاف درجة المعاناة فيما بينهم.

هذا الطفل -مثله مثل أي إنسان على وجه الأرض- لا يتمتع بمزايا جسدية خارقة للطبيعة، هذا الطفل يشعر بالألم مثلنا، ويشعر بالحزن حين ينظر ليده فلا يجد ذراعه، هذا الطفل يعاني، وهذه المعاناة يجب أن تصل لنا كاملة لا مجتزأة

في أفلام الأبطال الخارقين أو الـ"سوبر هيروز"، من الطبيعي جدا أن تشاهد بطل الفيلم يسقط من الطابق العشرين، أو يتلقى في جسده خمس رصاصات، أو يُجرح جرحا غائرا وينزف شلالا من الدماء، ولكنه لا يظهر من معاناته ما يدفع المشاهد للتعاطف معه بشكل كبير.. لماذا؟ لأنه ليس مثلنا، لأنه بطل خارق!

بعيدا عن المقارنة بين ما يحدث في عالم الأفلام وما يحدث في عالمنا الواقعي، ومقارنة مشاعر الناس وتفاعلهم مع العالمَين، فحقيقة أن التعاطف يزداد مع ازدياد المعاناة هي حقيقة ثابتة. وإن أسقطنا هذه الحقيقة على ما يحدث في غزة فإن الشواهد كثيرة وكثيرة جدا، ونقل هذه الشواهد وحجم التعاطف معها يتأثر بالكثير من العوامل وقدرتها على نقل حجم المعاناة التي يعيشها ضحايا الحرب.

لا شك بأن أغلبنا قد صادفه ولو لمرة صورة رسم على أحد مواقع التواصل لطفل ذراعه مبتورة، تنبت منها زهرة، ومثل هذه الرسومات وإن كانت تشع أملا نابعا من التعاطف الصادق، الذي يهدف إلى تسكين آلامنا كجمهور يتابع كل ما يجري، فإنها أغفلت جزءا كبيرا من المعاناة الحقيقية لهذا الطفل.

مداعي الألم في غزة منذ السابع من أكتوبر -بل وقبله- لا تعد ولا تحصى، بدءًا من صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية للعيش، مرورا بالتهجير والتدمير والفقد، وصولا إلى عدم القدرة على دفن شهدائهم كقطعة واحدة أو كجسد واحد متكامل

فالحقيقة ثابتة، هذا الطفل فقد ذراعه التي لن تنمو مجددا أبدا، ولن تنمو مكانها أية زهرة، لأن هذا الطفل ليس بطلا خارقا في سياق المقصود من هذه المقالة، هذا الطفل -مثله مثل أي إنسان على وجه الأرض- لا يتمتع بمزايا جسدية خارقة للطبيعة، هذا الطفل يشعر بالألم مثلنا، ويشعر بالحزن حين ينظر ليده فلا يجد ذراعه، هذا الطفل يعاني، وهذه المعاناة يجب أن تصل لنا كاملة لا مجتزأة.

ومثل هذه الرسومات بعض المنشورات والنصوص والصياغات المختلفة لنقل الأحداث، التي تحمل في طياتها بعض المغالاة في تجميل واقع الغزيين، الذين لا يشك في صمودهم إلا متخاذل، إلا أنها قد تغفل -كما قلت سابقا- جزءا كبيرا من معاناتهم الحقيقية. ومع إدراكي التام بأن الهدف الرئيس من مثل كل هذه الأنواع من التفاعل مع مصاب أهلنا في غزة هو هدف نبيل، يتمثل في التعاطف المستمر مع ضحايا الحرب ومواصلة دعمهم والوقوف إلى جانبهم، فإنه كان لزاما علي أن أشير لما أشرت إليه.

الغزي إنسان مثلي ومثلك، وما الإنسان إلا كتلة من المشاعر والأحاسيس، والمعاناة هي إحدى أهم هذه الأحاسيس، الغزي يتألم حين يحدث له ما يسبب الألم، ومداعي الألم في غزة منذ السابع من أكتوبر -بل وقبله- لا تعد ولا تحصى، بدءًا من صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية للعيش، مرورا بالتهجير والتدمير والفقد، وصولا إلى عدم القدرة على دفن شهدائهم كقطعة واحدة أو كجسد واحد متكامل، لا أشلاء متناثرة مخلوطة بالطين والحصى في كيس بلاستيكي!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.