كتاب "أسياد البلاد".. المستوطنون يطمعون في كل شيء (4)

اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى - الأحد 28 أبريل 2024 في اليوم السادس من أيام عيد الفصح اليهودي
من اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى أيام عيد الفصح اليهودي (الجزيرة)

جيل جديد من المستوطنين، يصف كتاب "أسياد البلاد" جيل "شبيبة التلال" الجدد بمدمني المخدرات المجرمين اللصوص (ص 515) وعمرهم أقل من 18 عاما، انفصلوا عن عائلاتهم ويعتبرون الحكومة "سلطة أجنبية"، وهذه الأوصاف وصلت إلى مؤلفَيْ الكتاب من عناصر في الادعاء العام رفضوا التعريف بأنفسهم.

ولنتصور الوضع الآن بعد عقدين، كيف تسلح هؤلاء وسيطروا فعليا على أرض الضفة الغربية؟!

خروج -بل هروب- شارون من غزة كان بفعل ونتيجة المقاومة، أما الاستيطان في الضفة فهو فعلا قد شهد تضخما واسعا، ونلاحظ أن الاستيطان يتوسع بعد كل اتفاق تسوية، فقد ازدادت المستوطنات وتوسعت بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر

خطة الفصل

تم إصدار الكتاب قبل تنفيذ الانسحاب من غزة، ولكن الخطة والتحضيرات كانت جاهزة عند إعداده، فقد قرر شارون إخلاء 20 مستوطنة في قطاع غزة وبعض المستوطنات في الضفة، وتحديدا 4 في جنين.

وبحسب الكتاب (ص 518)، فإن شارون ربما قام بذلك بسبب تصاعد رفض الخدمة في الجيش ووحداته المختارة وبسبب وجود خطط سلام كثيرة، فكان لا بد لشارون أن يقدم خطة خاصة.

لكن من الناحية العملية فإن خطة شارون -بحسب مستشاره المقرب دوف فايسغلاس- تهدف إلى "إزاحة لفت الانتباه العالمي عن إسرائيل والمحافظة على يهودا والسامرة"، واجتثات آلاف عدة من المستوطنين من هناك سيخلد مئات آلاف المستوطنين هنا، أي في الضفة الغربية (ص 520).

وفي خاتمة الكتاب يؤكد المؤلفان على تجند المستوطنين لرفض خطة شارون، فهم بطبيعتهم الثابتة لا يقبلون التخلي عن قليل للحصول على كثير، لأنهم يريدون كل شيء، وقد عمدوا إلى تحريم وتجريم إخلاء المستوطنات.

ويقول المؤلفان "الخروج من غزة ربما يؤدي إلى تخليد المستوطنات في الضفة الغربية وكذلك الصراع الدموي مع الفلسطينيين، وربما لا، وربما يكون الانسحاب من غزة خطوة أولى مرهقة لتحرير إسرائيل من المناطق التي احتلتها عام 1967 بعد أن وضعتها على حافة الهاوية، وربما لا" (ص 522).

وفي الحقيقة فإن خروج -بل هروب- شارون من غزة كان بفعل ونتيجة المقاومة، أما الاستيطان في الضفة فهو فعلا قد شهد تضخما واسعا، ونلاحظ أن الاستيطان يتوسع بعد كل اتفاق تسوية، فقد ازدادت المستوطنات وتوسعت بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر.

إعلان

أما بعد توقيع أوسلو في 1993 فقد تضاعف عدد المستوطنين إلى 7 أضعاف، وبلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو نصف مليون مستوطن، وفي القدس ربع مليون، أي ما مجموعه 750 ألف مستوطن بحسب تقرير أصدره المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان في سبتمبر/أيلول 2023.

وغني عن القول إن التراجع الدراماتيكي في زخم المقاومة بالضفة الغربية هو ما أوصل المستوطنين والمستوطنات إلى ما نراه ونعيشه حاليا.

ملحق (ص 534) يتضمن ما يصفها المؤلفان بـ"ميزانية غير عادية" نهاية سنة 1999 للمجلس الإقليمي "ماطيه بنيامين"، وهو تجمع مستوطنات مركزه منطقة رام الله والبيرة، تخصص فيه جهات حكومية وغيرها مبلغ مليون وستمئة ألف شيكل لصالح هذا التجمع الاستيطاني

استعراض لملاحق الكتاب

10 ملاحق أرى أن استعراضا عاما لبعضها مفيد، فهي تشمل بيانات وتواريخ، ومن ذلك وضع جدول (ص 523 وص 524) بأسماء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بين سنتي 1967 و2004.

وبحسب هذا الجدول، فإنه من 1967 حتى 1976 كانت هناك 24 مستوطنة، منها كفار عتصيون وكريات أربع، ومن 1977 حتى 1992 كانت هناك 93 مستوطنة، منها كدوميم وكرني شمرون وألون موريه ويتسهار، أما من 1992 حتى 2004 فكانت هناك مستوطنة جديدة واحدة هي موديعين عيليت.

وهناك ملحق تحت بند "سرّي جدا" عن وثيقة تشمل خطة للتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية يبدو أنها وُضعت بعد هزيمة 67 مباشرة وصيغت من نقاشات هيئة الأركان والاستخبارات واستطلاع رأي القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية.

المهم في الوثيقة أنها تتحدث عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح تضم الضفة وغزة وتكون تحت حماية جيش إسرائيل، مع ضم القدس إلى إسرائيل وإعطاء مكانة للأماكن المسيحية والإسلامية، وضم قرى عربية في إسرائيل إلى هذه الدولة العتيدة.

وتدرس الخطة أيضا إمكانية توطين الفلسطينيين في العريش وضمان وجود ميناء وحرية التنقل بين غزة والضفة، والخطة (الوثيقة) أعدها مجموعة ضباط، أهمهم دافيد كمحي، وهو رجل موساد نشط لعب أدوارا مهمة.

وهناك ملحق (ص 534) يتضمن ما يصفها المؤلفان بـ"ميزانية غير عادية" نهاية سنة 1999 للمجلس الإقليمي "ماطيه بنيامين"، وهو تجمع مستوطنات مركزه منطقة رام الله والبيرة تخصص فيه جهات حكومية وغيرها مبلغ مليون وستمئة ألف شيكل لصالح هذا التجمع الاستيطاني.

ومن ص 538 إلى ص 546 هناك ملحق وهو عبارة عن جدول تفصيلي أعدته حركة "السلام الآن" عن البؤر الاستيطانية في سبتمبر/أيلول 2004، ويشمل كشفا بتلك البؤر ما بين 1998 و2002، وعددها 125 بؤرة.

 المقاومة فقط هي التي أجبرت إسرائيل على تفكيك المستوطنات في قطاع غزة، وقبلها فإن بسالة الجيش المصري في رمضان (حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973) جعلت شارون (أبو الاستيطان) يفكك مستوطنة ياميت في سيناء لاحقا

خاتمة الرحلة

بعد هذا الاستعراض الذي قد يبدو طويلا لمادة الكتاب التوثيقية فإنه قد زاد اليقين لمن كان عنده شك في أمور عدة، منها:

  • الاستيطان هو في صلب عقيدة وعقل المشروع الصهيوني في فلسطين، ويحظى بغطاء سياسي وديني ومالي من كل مؤسسات الحكومة الإسرائيلية، أيا كان رئيس تلك الحكومة وزملاؤه.
  • حتى لو انتقدت الاستيطان فإن الولايات المتحدة لا تتخذ أي إجراء للحد من توسعه، وتكتفي أحيانا بتصريحات إعلامية لا رصيد لها على أرض الواقع.
  • كلما كان هناك اتفاقيات سلام وتسوية زاد نهب الأرض لصالح المستوطنين، وقد لاحظنا توسع الاستيطان بعد كامب ديفيد، وانتشاره وتغوله الرهيب بعد أوسلو.
  • المقاومة فقط هي التي أجبرت إسرائيل على تفكيك المستوطنات في قطاع غزة، وقبلها فإن بسالة الجيش المصري في رمضان (حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973) جعلت شارون (أبو الاستيطان) يفكك مستوطنة ياميت في سيناء لاحقا، مع تحفظنا بل رفضنا مسار التسوية الذي اختاره السادات، ولكنه ما كان ليحصل على شيء يذكر دون تلك المعركة.
  • المستوطنون -كما هو عنوان الكتاب- "أسياد البلاد" هم من يقررون ويرسمون ويفرضون أجندته على مؤسسات إسرائيل الأمنية والعسكرية والمدنية، لأن إسرائيل أساسا قامت على فكرة الاقتلاع والتهجير والإحلال والاستيطان، فلا غرابة أن تستمر بهذا في الضفة الغربية.
إعلان

الكتاب يستحق القراءة، ولكن لمن عنده أي مانع من قراءته فإن الرحلة أو المراجعة التي قدمتها تفي بوضع تصور عام شبه مفصل عنه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان