شعار قسم مدونات

تاريخ الحراك الطلابي في سوريا وملامحه (2)

تشييع جنازة إبراهيم هنانو في جامع الصديق في حي الجميلية عام 1935
تشييع جنازة إبراهيم هنانو في جامع الصديق في حي الجميلية عام 1935 (مواقع التواصل الإجتماعي)

كان الحراك الطلابي في سوريا زمن الانتداب الفرنسي بارزا ومؤثرا، فمنذ عام 1920 وحتى عام 1946 كانت المظاهرات والإضرابات والمنشورات جزءا من إستراتيجية الحراك الطلابي السوري وقتها، ونجح الطلاب في جذب الانتباه وتحقيق تأثير يعكس مدى الوعي المجتمعي بالقضايا السياسية والوطنية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وللدلالة على مستوى الحراك سأكتفي بعرض بعض النشاطات الطلابية زمن الانتداب:

  • مسودة الاستقلال

أطلق النائب شاكر نعمت الشعباني عام 1934 مسودة معاهدة الاستقلال، وأطلق على مشروع تلك المعاهدة اسم معاهدة الشعباني، والتي كان فيها لفرنسا مكاسب واضحة، ولم تكن تحقق استقلال سوريا الفعلي، ولكن نواب الكتلة الوطنية صوتوا ضدها في مجلس النواب، واستطاعوا إسقاط المشروع، فردت فرنسا بأن علقت عمل المجلس النيابي، ومنعته من الانعقاد.

وفي 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1934 خرجت مظاهرة طلابية ضخمة في دمشق اشترك فيها طلبة المدارس والجامعات، احتجاجا على المعاهدة، وعلى موقف فرنسا من المجلس النيابي. وقد شاركت في المظاهرة الاحتجاجية أيضا طالبات ونساء، وقد فرقت فرنسا المظاهرة بالاعتقال والضرب، وكان اعتقال النساء وقتها قد أحدث هزة في سوريا كلها، فالطالبات المشتركات في التظاهر بعثن الحمية في نفوس الشباب، وجاء اعتقال الفرنسيين لهن ليشعل سوريا كلها، مما اضطر الفرنسيين لإطلاق سراحهن، وإعادة الحياة النيابية، وإلغاء مشروع المعاهدة.

عند وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم في نهاية عام 1936، بدأت نهاية عصبة العمل القومي، عندما انشق عدد كبير من شبابها بسبب منعها الأعضاء من تسلم المناصب الحكومية

  • عصبة العمل القومي

كان للحزب الشيوعي السوري نفوذ جيد بين الشباب، وتحديدا عند الجامعيين والنساء المتعلمات. ولكن هذا الحزب العقائدي لم ينجح في اختراق كل فئات الطلاب، كالمتدينين والمحافظين، أو المعارضين للشيوعية والاشتراكية الماركسية.

وفي سنة 1933، ظهر تنظيم جديد أطلق عليه اسم "عصبة العمل القومي،" رفع شعار "العروبة أولا"، وخلق منصة شبابية لنفسه، أملا أن تكون بديلا عن الكتلة الوطنية. وقف خلف هذا المشروع مجموعة من الجامعيين الشباب، وجاء في برنامج العصبة: أن الولاء للعشيرة ممنوع، وكذلك الولاء للطائفة أو الأسرة أو حتى إلى بلد معين دونا عن غيره من البلدان العربية.

وأصروا على رفضهم الاعتراف بحدود سايكس بيكو، وطالبوا برفع الحدود الجمركية بين البلدان العربية، وبمقاطعة البضائع الأجنبية، كما نادوا بإلغاء امتيازات كل الشركات الغربية في الوطن العربي، ومنعوا تعامل الأعضاء مع أي مصرف غير عربي.

وأخيرا منعت العصبة أعضاءها من تسلم أي منصب حكومي في ظل الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان أو البريطاني في فلسطين، معتبرة أن أي حكومة في عهد الاستعمار تكون أكثر خطورة من الاستعمار نفسه. وقد استلهم قادة العصبة من الكتلة الوطنية تجربة الأذرع الشبابية الشبه عسكرية، فأوجدوا تنظيم "أشبال العروبة".

لكن عند وصول الكتلة الوطنية إلى الحكم في نهاية عام 1936، بدأت نهاية عصبة العمل القومي، عندما انشق عدد كبير من شبابها بسبب منعها الأعضاء من تسلم المناصب الحكومية، ورغم ما أصاب العصبة إلا أنها تبقى تجربة شبابية مميزة في تاريخ سورية.

امتد الإضراب ليشمل مدنا سورية أخرى، وامتنع الطلاب عن الحضور للمدارس والجامعة، وشكلوا لجانا لإصدار قوائم سوداء بمن يخالف الإضراب من الطلاب بالحضور إلى الجامعة، من أجل محاسبتهم على ذلك

  • الطلاب والإضراب الستيني

في نوفمبر/تشرين الثاني 1935 توفي الزعيم الوطني إبراهيم هنانو في دمشق، ودفن في حلب، وهو من قادة الكتلة وأحد زعماء الثورة السورية الكبرى. وفي 21 ديسمبر/ كانون الأول 1935 نظمت الكتلة الوطنية حفلا لتأبين هنانو على مدرج الجامعة السورية لمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، وأعلن خلال الحفل «الميثاق الوطني»، الذي دعا إلى تحرير البلاد السورية من كل سلطة أجنبية، وإيصالها إلى الاستقلال التام، والسيادة الكاملة، وجمع أراضيها المجزأة في دولة واحدة وكان الطلاب أكثر الحضور، وأكثر الداعمين لهذا الميثاق.

وفي تلك الفترة تم رفع أجرة التراوموي في دمشق، فدعا الوطني فخري البارودي الشعب للإضراب، فتم القبض عليه واعتقاله، فثارت دمشق بطلابها وتجارها وعلمائها وأبنائها كلهم، وامتد الإضراب ليشمل مدنا سورية أخرى، وامتنع الطلاب عن الحضور للمدارس والجامعة، وشكلوا لجانا لإصدار قوائم سوداء بمن يخالف الإضراب من الطلاب بالحضور إلى الجامعة، من أجل محاسبتهم على ذلك، مما اضطر كل الطلاب والأساتذة للمشاركة في الإضراب، الذي استمر ستين يوما، كانت من أكثر أيام سوريا وطنية والتزاما، وكانت نهاية الإضراب إجبار فرنسا على التفاوض مع الكتلة الوطنية من أجل استقلال سوريا.

لاحقت القوات الفرنسية الفرقة وحظرتها، وتفرق أعضاؤها، منهم من انشق عن الكتلة، ومنهم من نفي خارج البلاد، وهكذا غاب ذكر فرقة القمصان الحديدية من يومها عن المشهد في سوريا

  • قمصان حديدية وتحية هتلرية

أنشأ فخري البارودي الذي كان يلقب "شيخ الشباب" مع قادة "الكتلة الوطنية” عام 1936 جناحا شبه عسكري لمواجهة الانتداب عرف باسم "فرقة القمصان الحديدية"، تطوع فيها آلاف الشباب والطلاب الجامعيين وانتشرت في معظم مناطق سوريا من الجنوب إلى الشمال. وكان ل "فرقة القمصان الحديدية" شعار خاص على شكل ساعد مفتول يقبض بشدة على مشعل ملتهب، ولباس خاص يتألف من قميص وبنطلون حديديان، وكان التحية تحية هتلرية، تأثرا بفكرة تنظيم الأحزاب القومية في أوروبا خلال تلك الفترة، خاصة في ألمانيا، وبالتحديد "فرقة القمصان البنية" بقيادة أدولف هتلر. وكان لهذا الجيش الشعبي نشيد خاص كتبه الشاعر عمر أبو ريشة، يقول في بعض أبياته:

في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد .. كلنا ذو همة .. شماء جبار عنيد

لا تطيق السادة الأحرار أطواق الحديد .. إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد

لا نهاب الزمن .. إن سقانا المحن .. في سبيل الوطن كم قتيل شهيد

هذه أوطاننا مثوى الجدود الأكرمين .. وسماها مهبط الإلهام والوحي المبين

ورباها جنة .. فتانة للناظرين .. كل شبر من ثراها دونه حبل الوريد

قد صبرنا فإذا بالصبر لا يجدي هدى .. وحلمنا فإذا .. بالحلم يودي للردى

فنهضنا اليوم كالأطواد في وجه العدا .. ندفع الظلم ونبني للعلا صرحا جديد

لاحقت القوات الفرنسية الفرقة وحظرتها، وتفرق أعضاؤها، منهم من انشق عن الكتلة، ومنهم من نفي خارج البلاد، وهكذا غاب ذكر فرقة القمصان الحديدية من يومها عن المشهد في سوريا، لكنها كانت تجربة تنظيمية شبابية طلابية قابلة للتكرار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.