شعار قسم مدونات

البؤس البيئي.. والخطيئة الأصلية!

Waste lies on a street in Tunisia's second city Sfax on November 17, 2022. - Over 1,000 people demonstrated in Tunisia's second city Sfax over a renewed trash crisis that has seen household waste pile up in the streets and pollute the air. "Sfax is forgotten, rubbish is eating it in every street," shouted the demonstrators, who included refuse collectors, in front of the provincial government headquarters. (Photo by HOUSSEM ZOUARI / AFP)
توسعت الفوضى وتفاقمت مظاهر الإعتداء على الأنظمة البيئية في الحدائق والمتنزهات بتونس (الفرنسية)

يرتادني حيال ما أرى من هول المشهد البيئي الذي أتابعه منذ أكثر من ثلاث عقود صحفيا موثقا وباحثا وموظفا، يرتادني سؤال: هل استبق القائد الكشاف زكريا بن مصطفى الوزير ورئيس البلدية الأسبق الأحداث وتوقع ببصيرته وفراسته، حين أوصى الحكومة قبل نحو نصف قرن بعدم إنشاء وزارة للبيئة والإكتفاء بتخصيص هيئة ملحقة بالوزارة الأولى.

فالرجل الذي وثقت شهادته لمسار البيئة في تونس في كتاب صدر لي سنة 2010 بعنوان "جمعياتنا البيئة.. الحال والآمال"، اشتهر بسبب إشارة ساخرة من الرئيس الأسبق بورقيبة حين حاول تبرير زيادات في أسعار المواد الأساسية بإحالة لما أفاده "مسؤول النفايات" من تعمد المواطنين رمي كميات ضحمة من أرغفة الخبز في القمامة، ذاك الرجل كان في الستينات قائدا عاما للكشافة التونسية، وقد أوعز مطلع السبعينات ببعث أول جمعية بيئية في تونس.

لم يتمكن الرمز التحسيسي "لبيب" من ردع المخالفين، ولم تفلح الإدارات والمراقبون والقوانين التي تم سنها في وقف النزيف وصد التيار القبيح المرعب.

صدمت مع الكثيرين مع أيام الصورة الأولى بمشاهد الانفلات البيئي وفوضى النفايات، واستباحة الناس للغابات والشواطىء والممتلكات العمومية ومشاركتهم في تدمير محموم للبيئة.

كان عمر وزارة البيئة آنذاك عشرين عاما، وتعاقب عليها ست وزارء وكتاب دولة، وبعثت ست مؤسسات وهياكل كبرى تشمل مختلف مجالات حماية البيئة ومن صرف صحي ونفايات ومواد جينية وشريط ساحلي وتقنيات بيئية.

لم يتمكن الرمز التحسيسي "لبيب" من ردع المخالفين، ولم تفلح الإدارات والمراقبون والقوانين التي تم سنها في وقف النزيف وصد التيار القبيح المرعب.

توسعت الفوضى وتفاقمت مظاهر الإعتداء على الأنظمة البيئية من حدائث منتزهات ومحميات، وتحركات إحتجاجية رافضة لمنشآت أقيمت قبل الثورة منها مكبا النفايات في جربة وجرادو وغيرهما.

وانتفضت الحشود على التلوث البحري في خليج المنستير في الساحل، وتصاعدت وتيرة الغضب من إحتمال دفن نفايات نووية في الجنوب.

كنت في مكتب الإعلام بالجهاز المسئول عن البيئة في أشبه ما يكون بالمطافىء تصويبا للإشاعات وتصحيحا للأفكار والشبهات، وظل التوتر والسخط في تصاعد حتى بلغ مستوى التمرد في جرادو وجربة، وهي مظاهر خصصت لها حيزا هاما من دراستي لنيل الدكتوراه المتمحورة حول الحوكمة البيئية المحلية في تونس، والتي تبين في خلاصات البحث الذي نوقش سنة 2017 أنها كانت الغائب الكبير.

اقترحت عقد ورشة عمل وطنية تضم خبراء وممثلين لكل القطاعات والمجالات البيئية والأكاديمية لتشخيص الحالة وطرح سؤال المواطنة والحوكمة البيئية، والتركيز على فشل منظومة التربية والتوعية

وحملت عديد التحركات سمة الانتقام والتشفي من الدولة، وتصفية الحساب مع النظام المخلوع حيث ساد الشعور أنه تم خداعهم، وبناء مشاريع ظاهرها حماية البيئة والصحة وباطنها سموم ومخاطر ومضرة أكيدة على سلامتهم.

لم يصدق جل الخبراء والموظفين الذين اشتركوا من مواقع شتى في رسم وتنفيذ سياسات البيئة خلال حقبة ما قبل الثورة، ولم يقتنعوا البتة أنها كانت سياسات جيدة وذات شعارات وعناوين طموحة ولكنها كانت تفتقر لعنصر ما أدى لتبرؤ الناس منها وتمردهم على رموزها وفي مقدمتها" لبيب".

وللأمانة فإن البلاد عرفت رسم برامج ومؤسسات وسن تشريعات وإنشاء هيئات منها لجنة التنمية المستدمة، مما يؤكد أن الدولة قامت بكل ما يلزم للإيفاء بتعهداتها البيئية الدولية، وتشكيل ترسانة قانونية وبعث جهاز مؤسسي رائد على الصعيدين العربي والأفريقي واستضافت البلاد مؤتمرات دولية هامة في مجالات التنمية المستدامة والبيئة البحرية ومكافحة التصحر وتغير المناخ، وما تزال تحتضن مقرات منظمات إقليمية منها مرثد الصحراء والساحل والمركز الإقليمي للمناطق البحرية المتمتعة بحماية خاصة وغيرها.

سقطت كل تلك البطولات وهالة الريادة البيئية في عين المواطن بعد 14 يناير 2011، واتجهت أصابع الإدان للدولة ومؤسساتها، وقد اقترحت عقد ورشة عمل وطنية تضم خبراء وممثلين لكل القطاعات والمجالات البيئية والأكاديمية لتشخيص الحالة وطرح سؤال المواطنة والحوكمة البيئية، والتركيز على فشل منظومة التربية والتوعية، وبسبب ما تضمن من إرهاصات إدانة لأطراف قاصرة أو مقصرة، لم يلق المقترح أي تفاعل.

وحين بعثت مع نخبة من الناشطين والخبراء مبادرة ثم شبكة بيية مدنية أطلقنا عليها "فايقين لبيئتنا" لقينا صدا ومحاصرة من دوائر ومنظمات كانت تستكثر وجود منافسين وآثرت النشاط بعقلية التفرد والإقصاء، وجاوزنا في جرأتنا على محاولة تحريك السواكن أن شاركنا في تشريعيات 2014 بأربع قائمات، ونفذنا خلال انتخابات 2019 لقاءات مع المرشحين للرئاسيات والتشريعيات لإقناعهم بإدراج التنمية المستدامة في برامجهم وأولوياتهم.

في الأثناء تحمل المرحلة الراهنة مؤشرات واعدة ومبشرة وفق الكثيرين، من خلال  شعار الإلتزام المسؤول وإشراك كل الفاعلين والأطراف المعنية، وإعلاء القانون البيئي وإصدار مجلة البيئة

تعطل صدور النشرة السنوية من التقرير الوطني للبيئة الذي رأى البعض انه كان في نسخه السابقة الصادرة منذ 1994 إنما كان يلمع الوضع البيئيويزيف مؤشرات الواقع.

ولم تعرف سنوات الثورة محاولة جادة لقراءة موضوعية وبدايات بناء مستقبلي في المجال البيئي باستثناء تجربة فريدة جريئة قادها كاتب الدولة للتنمية المستدامة سنة 2014 منير مجدوب، حيث أقيمت أربع ورشات وطنية للخبراء والمنظمات والإدارات والأكاديميين لتقييم الواقع واستشراف القادم، وتوج بملتقى وطني جامع أثمر وثيقة شاملة ، سرعان ما أودعت أدراج الإهمال، وغفل المسؤولون الذين استلموا المهمة سنة 2015 حتى عن الإطلاع على فحواها والعمل بوصاياها وخلاصاتها.

وبالتوازي مع مسلسل حاسبة فاسدي ما قبل الثورة بمن فيهم مسؤولين في المجال البيئي، لم يختف شبح سوء التصرف وإنما تبدت الحقائق عن مظاهر فساد ضخمة أودت بوزراء في أقبية السجن وقاعات المحاكمة قس القطب القضائي فمقابل سجن وزير واحد وتتبع آخر من المنظومة السابقة للثورة تمت مقاضاة ما لا يقل عن أربعة بعد الثورة منهم من يقبع خلف القضبان.
بما يعطي شرعبة لمن يردد مقولة ديمقراطية الفساد ولامركزية النهب والانتهازية، ويعلن أن البعض استغل المناخ الثوري الجديد ليطلق العنان لرغبات متوحشة ونزوات ملوثة في الإثراء والنفع الخاص والحال أنه يتحمل مسؤولية النظافة وتنقية الوضع البيئي وخدمة صالح المجتمع الأجيال القادمة.

وفي الأثناء تحمل المرحلة الراهنة مؤشرات واعدة ومبشرة وفق الكثيرين، من خلال شعار الإلتزام المسؤول وإشراك كل الفاعلين والأطراف المعنية، وإعلاء القانون البيئي وإصدار مجلة البيئة، الجامعة والمحينة للنصوص البيئية التشريعية، فهل تفلح في إصلاح ما أفسدته ثلاثة عقود من عمل مؤسسات ثبت خواء الكثير من برامجها وانحراف بعض قادتها ومسؤوليها؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.